«مراجعات الهلاوي».. من الهروب إلى مناظرة الألباني ثم التوبة (3/3)
تاريخ النشر : 5/17/2018
إشارة : aman-dostor.org ,

رحلة التخفي في قرية أم خنان
بعد الهروب من السجن بدأ على الفور الاتصال بمجموعة الجهاد التي تعرفه وتم توفير مكان لاختفائه، وذهب إلى الحوامدية واختبأ هناك لمدة ثلاثة أشهر، في قرية "أم خنان" استقر به الحال واستمر في حلق لحيته وأطلق شاربه واتخذ لنفسه اسم الشيخ "إبراهيم" وهناك تخفي تماما وتم عزله عن بقية المجموعات فلم يعرف مكانه الجديد سوى عدد قليل جدا من قادة تنظيم الجهاد.

نجح "إبراهيم " الداعية الازهري الجديد في قرية "أم خنان" بشكل كبير واعتبره الناس أحد الصالحين، واستطاع أن يمد جسور الثقة بينه وبين الأهالي لدرجة أنه تزوج بإحدى بنات القرية وأنجب منها طفلا، ولم يكن أهلها يعلمون التفاصيل أما الزوجة فقد أخبرها بالحقيقة بعد الزواج والتي ارتضت بالأمر الواقع بعد ذلك وعلى ما يبدو أنه غير اسمه أيضا في البطاقة واستطاع إخراج أخرى مزورة عن طريق بعض المتعاونين معه من داخل التنظيم.

استمر الأمن يبحث عن "الهلاوي" بكل الطرق الممكنة، وكان يعلم أنه داخل مصر لكن وسيلة الوصول إليه صعبة فأدرك أن الأمر يحتاج إلى اختراق داخلي، فكلف أحد العملاء الذين يعلمون بخبايا التنظيم بالوصول إلى "الهلاوي" فتحرك أحدهم لإقناع المجموعات المقربة من "الهلاوي" بأنه سوف يوفر له ملاذًا آمنًا أكثر من الموجود به، وأنه سيعمل على أن يغادر مصر في أقرب فرصة إلى السعودية أو أي دولة خليجية.

وهو ما فطن إليه القيادي الجهادي "أمير الجيش" فرتب مع مجموعة أخرى عملية تأمين "الهلاوي" التي وفرت له الهرب في آخر لحظة ولكن في هذه المرة خارج مصر قبل وصول المصدر إليه، وسافر إلى الأردن بعد أن سهل أحد عناصر التنظيم ويعمل في المطار مغادرة "الهلاوي" إلى هناك.

وكان في استقبال"الهلاوي" في الأردن القيادي محمد سالم الرحال، وهنا توصل الأمن إلى المكان الذي كان يتخفى فيه الشيخ "ابراهيم" بقرية "أم خنان".

وخرج الهلاوي من مصر يوم 9/9/1979 إلى الأردن وبقي فيها طوال 4 سنوات وهي الفترة التي كانت فيها العلاقات مقطوعة مع مصر، بسبب معاهدة كامب ديفيد وكانوا يرحبون هناك بأي معارض لمصر وكان "الهلاوي" محسوبا على المعارضة، وعمل هناك إمام مسجد ومدرسا بإحدى الكليات المتوسطة.

وهناك بدأ مرحلة جديدة في حياته حيث اشتهر هناك باعتباره أحد شيوخ السلفية الجهادية الذين يدعون للجهاد في أفغانستان وإسقاط الحكومات العربية، وهذا ما لم يعجب أتباع السلفية الأردنية أو السلفية العلمية، فدعوه لمناظرة شيخهم الألباني عن مفاهيم الجهاد والبيعة والإمارة اشتهرت فيما بعد باسم مناظرة "الهلاوي" و"الالباني".

الهلاوي يناظر الألباني
وهناك مناقشة مسجلة ضمن أشرطة (سلسلة الهدى والنور)، جرت بين شيخ السلفية العلمية والمحدث "الألباني "وبين "الهلَّاوي"، تتحدث عن وجوب تنصيب الإمام (الخليفة) ومشروعية الجهاد، رد الشيخ الألباني وبين شروط تنصيب الخليفة والإمام في الجهاد، وشرح حديث: «الْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا» والتي اعتبر هذه الجماعات كلها من هذه الفرق.

فرد عليه "الهلاوي" أنه يجب الجهاد لنصرة الإسلام والمسلمين، فقال الألباني لحسن الهلاوي: الجهاد ليس الآن وقته، أوجد الخليفة ثم أوجد الجهاد.. أنت وضح لك الآن أنه لا يوجد جماعة واحدة وإمام واحد.. وإذا كان الأمر كذلك يجب أن تعتزل الجماعات كلها!! وقال له بالنص "هذا الحديث احفظه وسجله في دماغك".

فرد عليه "الهلاوي" إنه يجب أن نبحث عن الإمام ومن ثم الجماعة المسلمة التي يلزم المسلم اتباعها وأن الجهاد لا يشترط فيه سوى الإخلاص والراية، حتي يأتي الأمير والخليفة!! فرد الألباني: إسلاميًّا لا يوجد جهاد دون جماعة، ولا جماعة بدون أمير، ولا يصح أمراء مختلفون!!.

انتشرت مناظرة "الهلاوي والألباني" وذاع صيتها في مصر، وجميع الدول الإسلامية وعلى ما يبدو أنه تأثر فيما بعد رغم ميله في المناظرة لوجوب إنشاء الجماعات والتنظيمات بمقولة "يجب أن تعتزل الجماعات كلها!" وخاصة بعد سفره لأفغانستان ومشاهدته للفرقة والحزبية الموجودة هناك.

 الخروج من الأردن للسعودية
واستقر به المقام بعد في السعودية في أوائل عام 1984م وهناك التقى الشيخ عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية وبحسب الدكتور جمال المنشاوي أحد القيادات السابقة للتنظيم في مذكراته "الطريق إلي قندهار" كانت علاقة الهلاوي على غير ما يرام بالدكتور عمر عبد الرحمن فيقول:" من خلال تواجد الدكتور عمر بجدة، كان يعقد لقاءات مع المصريين من شباب الجماعات الإسلامية المتواجدين بالسعودية وكان يحثهم ويدعوهم للتبرع لإخوانهم الفقراء في مصر، وكان حسن الهلاوي يحضر هذه الاجتماعات، ولم يكن مرتاحًا لأسلوب الشيخ عمر في دعوته لجمع التبرعات، وأحسست أن الشيخ أيضًا لا يرتاح كثيرًا لوجود الهلاوي في مثل هذه المجالس".

وحدث أن دعا "الهلاوي" الشيخ للغداء في أحد الأيام، وقال: في هذا اليوم وأنا عائد من العمل ظهرا فوجئت بسيارة وبها أحد الإخوة تقف أمام مسكني بجدة وفيها الشيخ عمر عبد الرحمن (وكانت علاقتي به وثيقة بعد خروجه من المعتقل 1984 ودعوته للدروس في قريتنا في الفيوم) وقال لي الشيخ: عندك غدا؟ قلت له: طبعًا تؤمر يا مولانا، بس فضيلتك الأخ حسن الهلاوي عازمك اليوم، قال بحسم: عندك غدا ولا بخيل، استحييت وقلت له تفضل، وصعدنا للدور الرابع حيث أسكن، وجهزت غداءً خفيفًا، وجاء الهلاوي وحاول أخذ الشيخ بكل الطرق لكنه رفض رفضًا باتًا.! "

ويضيف " لم أفهم وقتها سر الخلاف، لكن علمت فيما بعد أن هناك صراعًا حول قيادة الحركة الجهادية بين الهلاوي كجهادي قديم، والجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ عمر، والشيخ عمر لا يريد للهلاوي أن يصطاد أو يجند أفرادًا من خلفه أو باستغلال علاقته به، فأراد وضع الفواصل بينهما!!.

وتردد "الهلاوي"أيضا بعدها على أفغانستان- كما يقول- وشارك مع الدكتور عبد الله عزام مؤسس الجهاد الأفغاني كعضو في لجنة من العلماء للصلح بين قيادات وزعماء الجهاد الأفغاني مثل حكمتيار، وبرهان الدين رباني، وأحمد شاه مسعود.. وكان ذلك تقريبا في الفترة من 1984 إلى 1988 ثم عاد إلى السعودية بعدما علم أن أيمن الظواهري وسيد إمام (وكان من قيادات الجهاد هناك) تحولا إلى فكر التكفير لدرجة أنهما قتلا العديد ممن خالفوهما الرأي من المصريين وغيرهم وكانوا يخططون لاغتياله لأنه تصدى لهم، وكان يردد دائما أنهما كانا وراء اغتيال عبد الله عزام وولديه.

ولم يحرز "الهلاوي" في أفغانستان أي مكسب على عكس الظواهري وبعض قيادات القاعدة من المصريين في كابل ومعسكرات الجهاد، لما لهم من سوابق هناك وتعاملات وجذور.

غير أن "الهلاوي" أثناء وجوده في أفغانستان تلقى دعوة خاصة إلى إيران وهناك تقابل مع آية الله علي خامنئي والذي أثنى على تاريخه في مواجهة شكري مصطفى ، لكن "الهلاوي" لم يرتح- بحسب حواره مع بعض التنظيميين- من سلوكيات وأهداف الإيرانيين ومطالبهم المذهبية على حساب الدين والعقيدة.

اختفى "الهلاوي" في أواخر الثمانينيات عن المشهد الجهادي ولم يظهر واستقر به المطاف في السعودية، واستطاع أن يحصل على أوراقه الرسمية من مصر وأصبح يتعامل باسمه الحقيقي، ومكثت هناك أكثر من 10 سنوات عمل فيها في مجال الدعوة والخطابة.

لم يتهم أيضًا "الهلاوي" في قضية اغتيال السادات أو تنظيم الجهاد رغم وجود اسم مجموعته في كل التنظيمات الجهادية بعد ذلك مثل اغتيال السادات ومجموعة الانتماء والتنظيم أو حتى إعادة تشكيل تنظيم الجهاد عام87م ويرجع بعض المحامين ذلك بأن الداخلية اعتبرته بعد حادث الهروب ميتا وأغلقت صفحته في الداخلية للتغطية على فضيحتهم في نجاحه فى عملية الهروب التي وصفوها بأنها أنجح محاولة في تاريخ تنظيمات العنف هروب من السجن لقرية في داخل مصر ومنها إلي دولة عربية ومنها إلي أفغانستان وإيران.

إلى أن وصلت أحداث العنف في مصر ذروتها في أوائل التسعينيات ومنها محاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي، وصفوت الشريف ووزير الداخلية حسن الألفي، وتم التنسيق الأمني مع وزراء الداخلية العرب وحينها تم القبض على "حسن الهلاوي" وأرسلوه في طائرة أحد كبار رجال الدولة في السعودية إلى مصر، ونزل أرض مطار القاهرة في 20يوليو 1993 ومنه إلى أمن الدولة في لاظوغلي، ووجهت له نيابة أمن الدولة تهمة الهروب من السجن في عام 1977م، ومحاولة اغتيال الرائد عصام شمس في منطقة عين شمس عام 1988م، والغريب أن الاسم في عريضة الاتهام كان "حسن محمد أحمد الغرباوي" وليس "الهلاوي" في تشابه اسمه مع "حسن الغرباوي" أمير الجماعة الإسلامية بعين شمس.

توبة الهلاوي ومراجعات الجماعات
وفي السجن ومع بداية عام 1994 م وبعدما شاهد مآسي الفكر التكفيري في السجون والمعتقلات وسمع بأحداث العنف الدموية التي مارستها الجماعات في مصر فأصدر بيانا تبرأ فيه من كل هذه الأفعال وتحدث فيه أن الإسلام برىء من هذا الإرهاب وأن هناك انحرافا في الفكر لدى هؤلاء الشباب.. ووقع على البيان باسمه باعتباره أحد قيادات الجماعات الإسلامية.. وسربه مع أحد أقاربه أثناء زيارته له في سجن الاستقبال وتم نشره في الصحف وتلقفته وسائل الإعلام باعتبارها أول بادرة في نبذ العنف والإرهاب.

رحب الأمن بهذه المبادرة وجاء التليفزيون المصري وأجرى معه حوارات مطولة وكان المذيع الراحل حلمي البلك من أوائل الذين حاوروه في السجن ثم كانت الإعلامية فاطمة فؤاد التي تشاجرت يومها مع الشيخ عبد الله بدر لأنه قال لها أنت سافرة الوجه، ولم تنشر لقاءها مع بدر، واكتفت بالهلاوي فقط في حلقتها، بعدما تأكد الأمن أنه صادق في حين أصدرت الجماعات الإسلامية توجهاتها إلى أفرادها باعتزاله وعدم التحدث معه لاعتراضهم على ما طرحه من فكر المراجعات ثم بعدها بعامين تبنوا ما طرحه وقدموا مراجعاتهم الفكرية بعدما تأكدوا أن ذلك هو المخرج الوحيد.

أصدر "الهلاوي "كتابا تحت مسمى "براءة الإسلام من العنف والإرهاب" فند فيه مزاعم التكفير والعنف والقتل بزعم إقامة الدين، وناقش فيه مفهومه الذي طرحه قبل ذلك في كتابه "أحكام النفاق والمنافقين"، واعتبر فيه أنه لا يجوز إطلاق حكم الكفر والردة على حكام المسلمين، لأنهم على حد وصف بعضهم تلبست أعمالهم بالنفاق والنفاق كان يتخوف منه كبار الصحابة، وكان حذيفة رضي الله كاتم أسرار الرسول، يأتمنه على أسماء المنافقين الموجودين بينهم، دون أن يكشفهم لأحد، وكان يشير إلى أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أقام صلاة الجنازة على أحد حرص على أن يكون حذيفة موجودًا فيها لمعرفة فيما إذا كان الميّت من المنافين، فلا يصلوا عليه حتى عرف عن سيدنا عمر إنه كان يذهب إلى حذيفة ويقول له (يا حذيفة أنشدك الله هل وجدت اسمي بين المنافقين؟ فيخجل هذا الصحابي أشد الخجل، وقال لعمر: لا والله أنت أكرمنا، ولكن لا أزكي بعدك أحدًا).

وخرج الهلاوي من قصة تكفير الحكام إلي حكم النفاق العملي الذي كان يخشي منه حتي الصحابة علي أنفسهم، وهنا ابتسم الشيخ إسماعيل الدفتار أحد علماء الأزهر الكبار وقال للهلاوي "أحسنت يا مولانا".

وأفرج عن الهلاوي في أواخر عام 2008 ليتوفى يوم 5 يناير 2010م، وأعلن صالح حسن الهلاوي نعيه في مسجد الحصري بالعجوزة بعد أذان المغرب وهو المسجد الذي عينته فيه وزارة الأوقاف المصرية بعد المراجعات الفكرية التي قام بها في السجون المصرية، وكان يعطي فيه درس الثلاثاء من كل أسبوع.

وفي اليوم الثاني صلى عليه الجنازة بعد أن أمّ المصلي في صلاة الظهر الشيخ محمد الكردي أحد دعاة السلفية في مسجد الرحمة بالهرم (بالقرب من المنزل الذي اعتدى عليه أتباع شكري مصطفي بالطالبية) أمام فندق أوروبا بالهرم، ودفن في مدافن السادس من أكتوبر التابعة لجمعية الحصري العمومية.

لم تنع الهلاوي التائب عن العنف أي جماعة إسلامية، ولم تذكره في أي مناسبة سوى السلفية "النجدية" في السعودية، والتي كانت تدخلت عن طريق أحد أمراء السعودية لعدم ترحيل الهلاوي إلى مصر عام 1994م، وهنا ينتهي تاريخ لابد أن يفتح من جديد.

الكلمات الرئيسية:
«مراجعات حسن الهلاوى».. مناظرة شكرى وانتقام الكتيبة الخضراء (2/3)
«مراجعات حسن الهلاوي».. قضية الفنية وبدايات أفكار الجهاد (1- 3)
إرسال الرأی