قاعدة داعش الإعلامية: أن تذكر ولو بالسلب خير من ألاّ تذكر أبدا
التنظيمات المتطرفة تتبنّى عمليات لم ترتكبها، وخبراء الإرهاب يحددون طريقة كل تنظيم في تنفيذ الجريمة.
تاريخ النشر : 10/1/2018

لعمليات الإرهابية بالنسبة للتنظيمات المتطرفة تمثل “إنجازا” يُضاف إلى السيرة الذاتية لكل منها، وبناء على ذلك فهي تتهافت نحو تبني عمليات حتى وإن لم ترتكبها كما يتبيّن في عدة حوادث، لكن خبراء الإرهاب استطاعوا أن يحدّدوا ويشخّصوا ملامح كل تنظيم من خلال طريقة ارتكاب الجريمة، كما أنهم استطاعوا الإجابة عن بعض الأسئلة النفسية المتعلقة بهويات ونوازع مرتكبي تلك العمليات الإرهابية.

القاهرة – مع كل عملية إرهابية تقع في أي مكان من العالم، تسارع بعض التنظيمات المتطرفة إلى إعلان مسؤوليتها المباشرة عنها. وبات داعش الأكثر اهتماما بهذه المسألة في الآونة الأخيرة، ويحرص التنظيم على الارتباط بكثير من الهجمات الإرهابية، ويبادر لتبني القيام بها ويتولى شرح طريقة ارتكابها ووسائل التخطيط لها، وفي أحيان أخرى يكتفي بتهنئة المرتكبين بحجة الفوز بالشهادة والجنة، في إشارة تؤكد أنه ليس بعيدا عنها حتى ولو ارتكبها آخرون.

تثير الطروحات الدائمة بشأن ارتباط داعش بأي هجوم دموي، ما إذا كان هو الفاعل الحقيقي أم يريد السطو عليه بزعم أنه إنجاز يكسبه المزيد من النفوذ والانتشار.  وهذه الظاهرة موجودة وقت توهجه قبل عامين، ووقت انكساره الآن. وفي الحالتين يريد الإيحاء أنه في قمة عنفوانه.

المشكلة أن هذه التصرفات التي تتسابق تنظيمات إرهابية أخرى أيضا على تبنّيها، لفتت انتباه الكثير من الخبراء وأخضعوها للتحليل السياسي والإعلامي والنفسي، وتوصلوا إلى أن لكل تنظيم، خاصة من التنظيمات الكبيرة مواصفات يمكن من خلالها معرفة الجاني.

شكل هجوم لاس فيغاس عام 2017 نقطة فاصلة لداعش مثلا، بعد أن أعلن مسؤوليته عن عملية إطلاق ناري أسفرت عن مقتل 58 شخصا، تبيّن بعدها أن مرتكب الهجوم رجل أميركي مضطرب نفسيا ليس له ارتباط فكري من قريب أو بعيد بداعش.

تكررت الأكذوبة في هجوم بصالة قمار بدولة الفلبين في العام نفسه، عندما ادعى داعش مسؤوليته، ثم أعلنت الشرطة بعدها أن الجاني مجرم محترف وغرضه سرقة الصالة.

تحمل هذه النوعية من المشاهد الكثير من الفوضى والتعقيد وتضاعف من صعوبة تحديد هوية الجاني مبكرا، كما أن التخبط الأمني الذي يضرب جهات التحقيق لمواجهة الزحف الإرهابي، يساهم في الارتباك العام، ويمنح متطرفين فرصة للدخول على خط بطولات زائفة.

تبيّن مع كل هجوم، وقف خلفه داعش، أنه يحمل نمطا، يغذيه التكوين الأساسي القائم على منظور جيش الإسلام الحامي للخلافة، ويتبنّى مقاتلو التنظيم فكرا يقوم على القوة والنفوذ والعمل المنظم العنكبوتي.

يظهر ذلك غالبا من خلال المادة الفيلمية التي يبثها التنظيم عبر وكالة أعماق، والتي تمثل ذراعه الإعلامي، وتتولى استعراض القوة العسكرية والبنية المحكمة التي قد تصل لصرامة بعض الجيوش النظامية، سعيا وراء تعزيز منظور المبالغة في العنف الدموي.

هناك عوامل تحدد ما إذا كان الهجوم ومرتكبه يعود بشكل مباشر إلى داعش أم أنها مجرد ادعاءات واهية

يوحي تبنّي أي هجوم إرهابي قبل تكشّف تفاصيله، بعمق الرغبة في نشر صورة ترسخ أسطورة مخيفة، وأن التنظيم قادر على تغلغل أي مجتمع وتحت كل ظروف، ومهما بلغت القدرات الأمنية للدول فداعش يمكنه اختراق الحواجز. ويعزز ذلك التوسع في ذرع خلايا نائمة وذئاب منفردة في كثير من الدول، وبشكل يجعل الأمر يبدو كأنه عمل مخابراتي عالي المستوى، ما يشير إلى أن التنظيم الإرهابي بمثابة “أخطبوط”، يستطيع أن يحكم سيطرته على جهات كثيرة، أو على الأقل يمثل تهديدا كبيرا لها.

يقول جاكوب جوهنسون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة وستمنستر الإنكليزية، إن فضح زيف مزاعم داعش بارتكابه هجمات إرهابية لا يعني أن التنظيم ليس مسؤولا أيضا عن الكثير من الجرائم، لأن هناك معضلة لدى أغلب الأجهزة الأمنية في فهم تكوين وآلية عمل التنظيم وإدارته لأذرعه الخارجية.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ”العرب” من لندن، أن “داعش سوف يسارع الفترة المقبلة للقفز على كثير من الهجمات الإرهابية، بغية إثبات أنه لا يزال يملك قدرة كبيرة على التشعب وإحداث خلل في عمل الأجهزة الأمنية العتيدة، وذلك بعد الهزيمة القاسية الذي تعرض لها في كل من العراق وسوريا، وجعلته بحاجة للوجود على الساحة ولو بتبنّي عمليات وهمية.

معروف أن هناك قاعدة إعلامية تقول “أن تذكر في الإعلام ولو بالسلب خير من ألا تذكر أبدا”، ففي هذه الحالة يظل اسمك يتردد ولا يطويه النسيان، ما يفسر لجوء الكثير من التنظيمات الإسلامية الدخول في مناوشات وافتعال معارك سياسية لضمان حضورها إعلاميا.

يوضح جوهنسون لـ”العرب”، أن الصراع المتفاقم بين القاعدة وداعش بات سببا جديدا يفسر الإدعاءات الكاذبة، وتداخل أكثر من جهة في إعلان مسؤوليتها عن الهجوم، فكل جهة ترغب في أن تثبت تواجدها الميداني على حساب الآخر وتبنّي عمليات إرهابية لم ترتكبها أصلا.

يعد المثال الأبرز في صراع القاعدة وداعش على الفوز بمسؤولية عمل إرهابي، في أكتوبر عام 2017 عندما ادعى كل من “ولاية سيناء” التابع لداعش وتنظيم “المرابطون” التابع للقاعدة تبنّي هجوم وقع في منطقة الواحات التابعة لمحافظة الجيزة القريبة من القاهرة، ما أسفر عن مقتل 16 شخصا من قوات الأمن.

تعود فوضى الادعاءات المضللة بحقيقة مرتكب أي حادث إلى فترات أبعد من ظهور داعش ورفاقه من التنظيمات المتشددة حديثة النشأة، وبدأت تلك الظاهرة لأول مرة كجزء من الحرب العالمية الثانية في بداية الأربعينات من القرن الماضي، وأطلق عليها تكتيك “الراية المزيفة”.

قامت تلك التقنية العسكرية على فكرة إخفاء هوية مرتكب العملية أو الهجوم، عن طريق استخدام أعلام دول أخرى أو طائرات مقاتلة وأسلحة مصنوعة بيد دول الأعداء. وتطور المصطلح بعد ذلك ليقترن أكثر بالإرهاب بعد أن أصبحت بعض العمليات الإرهابية في التسعينات وحتى الوقت الحالي مجهولة الهوية أو متضاربة في تحديد الجهة المسؤولة.

 وربط بعض الخبراء بين هذا التضارب وعمليات تقوم بها أجهزة أمنية لأهداف معيّنة، وتضفي عليها طابعا يتشابه مع هجمات التنظيمات المتطرفة للتضليل وإبعاد الشبهة عنها.

مع ظهور داعش عام 2014، أخذ المصطلح أبعادا أوسع ليشمل أيضا تصارع أكثر من جهة على إعلان مسؤوليتها بشكل يعزز غموض العثور على المجرم الحقيقي.

وترى دراسة أميركية أعدت عام 2016 للباحث شارلي وينتر، المتخصص في مكافحة الإرهاب والجماعات المتشددة، أن هناك عوامل تحدد إذا كان الهجوم ومرتكبه يعود بشكل مباشر إلى داعش أم أنها مجرد إدعاءات واهية.

تنقسم العوامل المحددة إلى ثلاثة مكوّنات، الأول يرتبط بالمرتكب نفسه من حيث شكله وتاريخه الإجرامي ودرجة اقترانه بالجهاد والكفاح المسلح وطبيعة علاقته بعائلته والدولة التي ينتمي إليها.

ويتعلق البعد الثاني بأداة الجريمة وطبيعة تكوينها وشكل التصميم ومدى بدائيته، ويأتي البعد الأخير عاكسا لشكل الهجوم نفسه ومكانه والكواليس التي أحاطت به.

يوضح ونتر أن جنود داعش الذين يستهدفون أماكن ومواطنين في أوروبا معروفون بأن تاريخهم الديني ضعيف وأيديولوجيتهم الفكرية، بل في البعض الأحيان يكونون على النقيض تماما من الالتزام بتعاليم الأديان، مثل الإقبال على شرب الخمر ولعب القمار وممارسة الجنس بحرية، عكس تنظيم القاعدة الذي تبدو أيديولوجيته الفكرية راسخة في جنوده، وكل ما يبحث عنه مرتكبو الهجمات الحلم بدخول الجنة دون حساب بعد تنفيذهم عمليات إرهابية.

قيادي في داعش: البغدادي أرسل قادة غير مؤهلين للقتال
قيادي في داعش: البغدادي أرسل قادة غير مؤهلين للقتال
البغدادي يعدم 320 داعشياً بينهم قياديون بسبب "الخيانة والاستهتار"
إرسال الرأی