"طالبان– القاعدة– داعش" بنات أفكار "هانتنجتون وفوكوياما"
لم تنتهِ أفكار تسويق النموذج الأمريكي المنتصر عند "فرانسيس فوكوياما" بل تلقفه أستاذه المفكر "صاموئيل هانتنجتون" فنشر مقالا مهمّا بعنوان "صدام الحضارات والنظام العالمي"، حوّله فيما بعد إلى كتاب مهم حمل العنوان نفسه.
تاريخ النشر : 1/19/2020
إشارة : العین ,

في عام 1993، نشر هذا المقال في مجلة "فورين افيرز" وجاء ردا صريحا، حيث قال إن ما طرحه "فوكوياما" هو رؤية قاصرة وضيقة، وقال: "إن الصراعات بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية، وإنما ستكون الاختلافات الثقافية والحضارية هي المحرك الأول للصراع والنزاع".

    في المقارنة بين حالة الجهاد التي كان يدعمها الأمريكيون وحالة القاعدة التي يحاربها الأمريكون ظهر التناقض الأمريكي؛ لأن تنظيم القاعدة استخدم في قتالهم نفس الأدبيات الفقهية والأخلاقية التي روجوا لها إبان محاربة الروس في أفغانستان

وحدد الحضارات التي ستتصادم وتتصارع ومنها الحضارة الإسلامية بل ركز على أن الاختلافات الدينية ستكون هي محرك الصراع الأبرز وقال: "من السهل أن يحمل الإنسان جنسيتين "فرنسية وجزائرية مثلا" لكن من المستحيل أن يحمل ديانتين أن يكون مسلما ومسيحيا في آن واحد.

ودلل على كلامه وقتها بما سمي في بداية التسعينيات "النمور الآسيوية" وانضمام الصين واليابان معها وإمكانية تشكيلها لكتلة صلبة تغلب عليها حضارة واحدة وثقافة واحدة يمكن أن تتوحد ضد أمريكا.. وهنا اتفق مع تلميذه في فكرة الكتل الصلبة برؤية مغايرة.

هانتجتون أكمل الجزء الغائب في أفكار تلميذه وهنا لا أنحاز أو أدعو إلى نظرية المؤامرة، ولكن أدعو إلى إعمال العقل في فهم تسلسل الأفكار.

هانتجتون قال إن الإسلام حدوده دموية وكذلك مناطقه الداخلية دموية، وراح يذكر صراعات المسلمين مع غيرهم، فتحدث عن كشمير الهند، وعن الصراع داخل الهند بين الهندوس والمسلمين، وحدد بوضوح أن الصراع القادم سيكون بين العالم المسيحي بقيمه وثقافته العلمانية وبين العالم الإسلامي" على حد قوله.

وقال إن القيم الإسلامية سهلة تتصارع من داخلها في إطار قابلية المذاهب إلى الصدام "الشيعي والسني مثلا"، وهذا ما لعبوا عليه بعد احتلال العراق في 2003 .

في النهاية يتضح أن السياسي الأمريكي يطبق بدقة ما يقوله المفكر، وهذا هو الفارق بينهم وبيننا، في الغرب الفعل السياسي يسبقه عقل مفكر، وفي الشرق الفعل السياسي منفرد بدون أي عقل مفكر.
 طالبان والقاعدة ابنتا الفكر المتطرف

كيف انعكست أفكار الصدام والصراع والتفكيك التي خرجت من أمريكا في بداية التسعينيات علينا هنا في العالم العربي والإسلامي؟

انتشرت أفكار هانتجتون وفوكوياما في العالم أجمع، ثم وصلت إلينا هنا، وفورا وكطبيعة الأفكار ولدت أفكارا أخرى مواجهة لها بل أكثر حدة وتطرفا، شاع إحساس الاضطهاد في العقلية العربية من قبل الغرب وأمريكا، خصوصا أن الجميع كان على أبواب عصر من التطاحن والصراع.

هذا الزمن التسعيني بدأ باحتلال العراق للكويت مرورا بحرب تحريرها ثم حصار العراق الذي انتهى باحتلاله.

في أفغانستان وتحديدا في 1994 نشأت طالبان على يد الملا محمد عمر، ونجحت في السيطرة على كابول عام 1996 بعد أن انسحب الفريقان المتقاتلان؛ الأول بقيادة الرئيس برهان الدين رباني، والثاني بقيادة قلب الدين حكمتيار، وقتها أعلن الملا عمر الإمارة الإسلامية في أفغانستان.

وتأسست أدبيات طالبان التي ترفض أن تتكرر تجربة الاحتلال الروسي في ثوب جديد وببصمة أمريكية، أكد لي عبدالحكيم مجاهد الذي تولى منصب مندوب طالبان لدى الأمم المتحدة -رغم أن الأمم المتحدة لم تعترف بطالبان، لكن كان موجودا ويفتح نقاشات مع الغرب- في لقاء جمعني به في كابول أن أفكار هانتجتون كانت تخيفنا أكثر من تصريحات صقور المحافظين، وقال لي: "العمل العسكري يبدأ وينتهي لكن الأفكار لا تنتهي بل تتجدد وتزداد شراسة".

لذا يمكن القول إن طالبان تأسست على مبدأ الخوف من تكرار شبح الاحتلال، وانتهت على تحقيق الكابوس واحتلالها على يد الأمريكان.

ظلت طالبان تحكم أفغانستان حتى أكتوبر 2001 حين احتل الأمريكيون أفغانستان ردا على ضرب برجي التجارة في سبتمبر 2001 ، وكان الهدف مطاردة أسامة بن لادن والقاعدة.. في المحصلة كانت "طالبان" ابنة شرعية لأفكار الصراع والصدام بل تأسست في نفس موعد نشر كتاب هانتنجتون في جميع العالم العربي والإسلامي.
القاعدة

تأسست عام 1990 أي أنها من عمر النظام العالمي الجديد، وهي أيضا ابنة المنظومة الفكرية التي أسست لهذا النظام، ابنة النموذج الأمريكي المنتصر بلغة "فوكوياما"، وهي أيضا المنتج القبيح لفكر "هانتنجتون"، ذلك الفكر الذي أسست للصراع القادم بأنه صراع بين المسيحية العلمانية وبين الإسلام "كما قال".

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أطلق الأمريكيون على "هانتنجتون" النبي المفكر أو المفكر النبي؛ لأن توقعاته تحققت، أو مخططاتتهم تحققت لا ندري أيهما أصدق.

في جلسة جمعت "أسامة بن لادن- أيمن الظواهري- سيد إمام الشريف- عبدالله عزام" اختاروا اسم القاعدة لقبا لتنظيمهم الجديد، والقاعدة هي الاسم الذي كانوا يطلقونه على معسكرات التدريب في أفغانستان أيام الجهاد الأفغاني.

كانت أولى أدبيات "القاعدة" هي محاربة الوجود الأمريكي في العالم العربي والإسلامي، ثم تطورت إلى محاربة الوجود الأمريكي في عقر دارهم حتى وقعت أحداث 2001.

تنامت وتطورت أفكار القاعدة مع احتلال أفغانستان وكثرت وانتشرت فروعها بعد احتلال العراق، وأصبح هناك القاعدة في بلاد الرافدين، والقاعدة في شبه جزيرة العرب، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

كانت القاعدة نموذجا واقعيا ومعادلا حقيقيا كفعل إرهابي في الشرق في مواجهة فكر إرهابي في الغرب سبقه ثم جاءت بعد ذلك مرحلة استدعاء المبررات الفقهية والأخلاقية والدينية التي تستدعي وجوب محاربة المحتل الكافر .

هنا أؤكد الفكرة التي طرحتها في البداية أن التنظيمات الإرهابية في الشرق تأسست أولا ثم بدأ البحث عن المبررات الفقهية والأخلاقية لها وليس العكس.

في المقارنة بين حالة الجهاد التي كان يدعمها الأمريكيون وحالة القاعدة التي يحاربها الأمريكيون ظهر التناقض الأمريكي؛ لأن تنظيم القاعدة استخدم في قتالهم نفس الأدبيات الفقهية والأخلاقية التي روجوا لها إبان محاربة الروس في أفغانستان، فأبو مصعب الزرقاوي وهو يحارب الأمريكيين ردد نفس مقولات الجهاد التي كانت تستخدم ضد الروس حين احتلوا أفغانستان.
"داعش" ابنة احتلال العراق

ينطبق على داعش" تلك المقولة بأنها الابنة التي خرجت من رحم احتلال العراق، بتأثيرات وببصمة واحد من أبناء تجربة الجهاد ضد الروس في افغانستان، إنه أبومصعب الزرقاوي "الذي جاء إلى العراق بعد 2003 لمحاربة الأمريكيين كما أعلن وقتها، فأسس "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين ثم غير اسمها بعد أن بايع أسامة بن لادن" لتصبح "تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين".

انضم إلى التنظيم وقتها أكثر من ثماني جماعات عراقية مسلحة ليؤسسوا فيما بينهم "مجلس شورى المجاهدين في العراق"، وتم اختيار أبوعمر البغدادي أميرا للمجلس، وفي يونيو عام 2006 قتل أبومصعب الزرقاوي بغارة أمريكية في منزل قرب بعقوبة، بعدها تولى أبوحمزة المهاجر أو كما عرف بأبو أيوب المصري تنظيم ما عرف بعدها "بتنظيم الدولة الإسلامية في بلاد العراق" وظل مقصورا على العراق فقط.

وابتداءً من عام 2014، توسعت "داعش" جغرافيا، تحت قيادة زعيمها أبوبكر البغدادي، انتشر تنظيم داعش بشكل ملحوظ، وأصبح له وجود كبير في المحافظات السورية من الرقة وإدلب ودير الزور وحلب بعد الدخول في الحرب الأهلية السورية، إلا أن هذا التقدم توقف بعد إنشاء تحالف من عدة دول لمحاربة التنظيم يشمل دولًا عربية وإسلامية وأجنبية.

ما بين أغسطس 2014 وأبريل 2015، خسر تنظيم الدولة (داعش) ما بين 25% إلى 30% من الأراضي التي يُسيطر عليها في العراق، وسيطر أفراد تنظيم الدولة الإسلامية على مساحة كبيرة من مدينة الفلوجة العراقية ابتداءً من أواخر ديسمبر 2013 وبداية 2014 حتى خسارتها في 2016.

وكان لتنظيم (داعش) صلات وثيقة مع تنظيم القاعدة حتى فبراير عام 2014، حيث إنه بعد صراع طويل على السلطة استمر لمدة ثمانية أشهر، قطع تنظيم القاعدة كل العلاقات مع جماعة داعش، حيث تعتبر القاعدة داعش تنظيمًا "وحشيًّا" وما يستمر نشاط القاعدة حتى بعد مقتل زعيمة أبوبكر البغدادي، وهذه التنظيمات لا تموت بموت قاداتها بل تأخذ أشكالا أكثر شراسة.

في النهاية ما كان لداعش أن تتأسس لو أن أبومصعب الزرقاوي وجد مبررا لقيامها وهو احتلال العراق من قبل الأمريكيين.

الكلمات الرئيسية:
موجود في العراق وسوريا.. هل أصبح داعش أقوى مما كان عليه في ٢٠١٤؟
السوشيال ميديا والتطبيقات الإلكترونية.. بوابات السيطرة على المسلمين
هل يعاقب مجلس الأمن بريطانيا لإيوائها هاني السباعي رغم وجوده ضمن قائمة الإرهاب الدولية؟
إرسال الرأی