الظاهرة السلفية: التعددية التنظيمية والسياسات
يُقدِّم كتاب "الظاهرة السلفية: التعددية التنظيمية والسياسات"، الذي صدر حديثًا عن مركز الجزيرة للدراسات، قراءة مباشرة وعميقة في الآن نفسه لخارطة الجماعات السلفية في بعض الدول العربية، مُسْتخدِمًا المنهجين التاريخي والمقارن في رصد الجذور التاريخية للحركات السلفية، ثم المنهج التحليلي التفسيري في مقاربة مدارسها الفكرية، ومرجعياتها العقائدية والسياسية، وعلاقاتها بالقوى والجماعات الإسلامية الأخرى وبمؤسسة العلماء المسلمين التقليدية، ودراسة مجالات أنشطتها وأهدافها، وتقدير حجمها وتأثيرها الاجتماعي والسياسي، ورصد تفاعلها مع حركة الثورة العربية وأشكال التغيير وحدوده في منهجها الفكري وسلوكها السياسي.
تاريخ النشر : 9/23/2018
عد زيارة : 36
الناشر : مركز الجزيرة للدراسات – الدار العربية للعلوم ناشرو
سنة النشر : 2014
عدد الأجزاء : 0
الصفحات : 272

ويكتسب الكتاب أهميته انطلاقًا من خصوصية ظاهرة السلفية نفسها التي تختلف إلى حد ملموس عن قوى الإسلام السياسي؛ بمعنى أنها ظاهرة متعددة الجماعات، في البلد الواحد وفي فترة زمنية واحدة، إلى حد كبير، سواء لتعدد المرجعيات العلمائية والدعوية السلفية التي التفت حولها الجماعات أو لقابليتها للانقسام بفعل الخلافات الفكرية. ورغم ذلك فهناك القليل مما هو معروف عن الجماعات السلفية، وسيكون الكتاب، من خلال البحوث والدراسات الأكاديمية التي تشكّل مادته العلمية، مقدمة لدراسة الظاهرة السلفية في خمسة عشر فصلاً.

ففي الفصل الأول، وهو بعنوان "السلفية: إشكالية المصطلح، التاريخ، والتجليات المتعددة"، يرصد الدكتور بشير موسى نافع الجذور التاريخية للمصطلح وتنوُّع دلالاته وصيغ استخداماته في مراحل مختلفة. وقد لاحظ أن المصطلح استُخدم في البداية للتدليل على موقف متصور لما كان عليه معتقد الأجيال الثلاثة الأولى من المسلمين حول قضايا الجدل بين المعتزلة وأهل السنة الأوائل، لاسيما أهل الحديث. وسرعان ما أُضيف للمعنى الاصطلاحي المبكر دلالات تتضمن موقف ابن حنبل وأصحابه في القرن الثالث الهجري من مسائل صفات الله وطبيعة القرآن. ومع ظهور ابن تيمية في نهاية القرن السابع وبدايات الثامن الهجريين تحوَّل الفقيه الحنبلي إلى محطة مرجعية لمن جاؤوا بعده ممن سيصفون أنفسهم، أو يصفهم الآخرون، باسم السلفية. ولكن، ومنذ نهاية القرن الحادي عشر وخلال القرن الثاني عشر الهجريين/السابع والثامن عشر الميلاديين بدأ التيار السلفي في التعبير عن نفسه في صيغ أكثر تعددية، سواء لاختلاف السياقات الاجتماعية للعلماء الإصلاحيين والحركات الإصلاحية، أو لاختلاف المصادر الفكرية لهؤلاء العلماء. وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين ستلعب المؤثرات الفكرية والثقافية الغربية وولادة القوى الإسلامية السياسية أدوارًا إضافية في تكاثر التعبيرات السلفية وتعددها: سلفية إصلاحية تجديدية، وسلفية محافظة، نصية وأقرب إلى أهل الحديث؛ سلفية معادية للتمذهب، وسلفية متصالحة مع المذاهب الفقهية؛ سلفية علمية، وسلفية علمية-دعوية؛ سلفية مسيسة، وسلفية بعيدة عن المجال السياسي؛ سلفية مسلحة.

ويُقدِّم الباحث هشام بن غالب في الفصل الثاني، "السلفية السعودية في ميدان السلطة"، قراءة في مكونات الساحة السلفية في السعودية وأبرز تياراتها التي تُعرف بـ"الصحوة الإسلامية"، مُسْتَهِلاً دراسته برصد تاريخي لنشأة الحركة الوهابية وبنائها الفكري والعقائدي، ثم تطور منهج الحركة منذ نشأة الدولة السعودية الأولى ثم الدولة الثانية والثالثة. كما يرصد الباحث خارطة التيارات السلفية، مُبَيِّنًا منهجها الفكري وأساليبها الدعوية وعلاقتها بالسلطة، مثل: "الصحويون"، و"السلفية التقليدية"، و"الجامية"، و"مجموعة أهل الحديث".

هذا المنهج في التحليل يتابعه الباحث عمار أحمد فايد في الفصل الثالث، الذي حمل عنوان "السلفيون في مصر: من شرعية الفتوى إلى شرعية الانتخاب"؛ وذلك بدراسة الخلفية التاريخية للتيارات السلفية في مصر، وتحديد مرجعياتها الفكرية الرئيسة، ونشاطها وحجمه النسبي شعبيًا وسياسيًا. كما تبرز الدراسة مدى تفاعل هذه التيارات مع الثورة المصرية، وكيفية استجابتها للنشاطات المختلفة أثناء الثورة وبعدها؛ وتقدم تحليلاً نقديًا وافيًا لهذه المواقف، وتتناول بالتحليل تكوين الأحزاب السياسية ذات الخلفية السلفية في مرحلة ما بعد الثورة.

ويُقدِّم الباحث الأكاديمي الدكتور أحمد محمد الدغشي في الفصل الرابع، وهو بعنوان "السلفية اليمنية: الأصول والفروع"، رؤية نقدية للتطور التاريخي للحركة السلفية في اليمن ومرجعيتها الفكرية، كما يرصد الانقسامات المتعددة في صفوفها وأسباب الخلاف ومراحله وأبعاده. ويتتبع الدغشي بالنقد والتحليل التحولات الفكرية لأهم الجماعات السلفية لاسيما بعد اندلاع الثورة اليمنية.

ويتناول الدكتور يحيى الكبيسي في الفصل الخامس، "السلفية في العراق: تقلُّبات الداخل وتجاذبات الخارج"، تاريخ السلفية في العراق، والذي يرجع في نظر البعض إلى ما قبل ظهور الدعوة السلفية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، مبرزًا معاناة السلفية العراقية التي أنتجت حركيين ومناضلين، كباقي الحركات والأحزاب العراقية، من دون إنتاج أي تنظير سلفي حقيقي محلي موازٍ. ويلاحظ الباحث أن هذه السلفية ظلت في إطار العمل الفردي، أو ضمن مجاميع صغيرة، وعجزت عن تشكيل حركة أو تيار فكري. كما يرصد أبرز الاتجاهات والتيارات الرئيسة للسلفية في العراق، والتي تشكّلت في مطلع القرن العشرين، مثل: السلفية العلمية التقليدية، والسلفية الجامية، والسلفية الجهادية المحلية، والسلفية الجهادية الوافدة.

وفي الفصل السادس، الذي حمل عنوان "السلفية والسلفيون في سورية: من الإصلاح إلى الثورة"، يتابع الباحث عبد الرحمن الحاج، تاريخ الحركات السلفية السورية منذ نهاية القرن التاسع عشر؛ إذ كانت نشأتها شبيهة إلى حد كبير بالسلفية الإصلاحية التي برزت في مصر على يد الشيخ محمد عبده، ثم يدرس أسباب تفكك السلفية الإصلاحية وتحول أتباعها إلى السلفية العلمية، ومن ثم ظهور السلفية الجهادية في التسعينات من القرن العشرين. كما يرصد الباحث خريطة السلفية الجديدة في ظل الواقع الذي أفرزته الثورة السورية في أواخر صيف 2011 ومطلع العام 2012، مثل: النصرة التي تمثل الجيل الثالث للسلفية الجهادية، وجهاديي الخلافة العالمية المؤجلة، وجهاديي السلفية التقليدية، والسلفية الجهادية الديمقراطية.

ويرصد الدكتور محمد أبو رمان، في الفصل السابع "سلفيو الأردن وثورات الربيع العربي"، الخلفية التاريخية للسلفية بالأردن، وتطورها الفكري والحركي، وتياراتها المختلفة خلال العقود الماضية، ثم يعالج موقف السلفيين من ثورات الربيع العربي، والأثر الذي تتركه التجرية المصرية على السجالات الداخلية للتيارات السلفية بالأردن، وما يمكن أن ينتج عنها مستقبلاً من تحوُّلات أو ردود أفعال لما يحدث للسلفيين في مصر ودول أخرى بدأ سلفيوها نشاطًا حزبيًا وسياسيًا، كما هي الحال في اليمن وتونس.

وفي الفصل الثامن، بعنوان "السلفية في فلسطين: الخلفيات، الواقع والآفاق"، يقدم الباحث ماجد عزام تعريفًا لأهم التيارات السلفية في فلسطين، مُحَلِّلاً نشأتها وانعكاسات حركة الثورة العربية على التيار السلفي الفسلطيني.

ويحاول الباحث سعود المولى، في الفصل التاسع "السلفيون في لبنان: التأرجح بين الدعوة والسلاح"، فك لغز نشأة الحركة السلفية في لبنان بسبب الأخطاء المعلوماتية التي يتناقلها الباحثون والدراسون؛ إذ يؤرخ الباحث لظهور الحركة السلفية المنظمة في لبنان بعام 1946 على يد الشيخ سالم الشهال، الذي بدأ سلفيته على نحو عصامي وليس من خلال جامعة أو مؤسسة، ثم يرصد الباحث فروع المدرسة السلفية وبروز تياراتها المختلفة: السلفية الجهادية، والسلفية الدعوية، وسلفية إعادة البناء.

وفي الفصل العاشر، وهو بعنوان "السلفية في السودان: الانقسام بين السلمية والمواجهة"، يتناول الكاتب جمال الشريف بالدراسة والتحليل التيارات المختلفة للسلفية في السودان، وتطورها التاريخي، وانقساماتها ومدارسها الفكرية، وتأثير حركة الثورة العربية على هذه التيارات.

ويدرس الباحث محمد بدري عيد في الفصل الحادي عشر، "التيار السلفي في الكويت: الواقع والمستقبل"، أبعاد ومعطيات موقع التيار السلفي في الخارطة السياسية للكويت، ويرصد منطلقاته الفكرية ومرتكزاته الأيديولوجية، وأسس وآليات حركته السياسية، كما يستشرف الباحث مستقبل هذا التيار في ظل التحولات التي أحدثتها حركة الثورة العربية.

وفي الفصل الثاني عشر، الذي حمل عنوان "السلفية في تونس: مخاض التحوُّل"، يعالج الباحث رياض الشعبي ظروف نشأة التيار السلفي في تونس وتطوره قبل وبعد ثورات الربيع العربي، كما يُقيِّم التحولات الفكرية والتنظيمية التي أحدثتها حركة الثورة العربية على التيار السلفي بتونس.

ويُرجع الباحث حسن الأشرف، نشأة السلفية في المغرب إلى عصر الدولة المرابطية خلال الفترة الممتدة بين نهاية القرن الحادي عشر ومنتصف القرن الثاني عشر؛ وذلك لمحاربة التصوف والبدع. ويرصد الباحث، في الفصل الثالث عشر بعنوان "سلفيات المغرب: توجهات ومسارات"، تقهقر الممارسات السلفية لما انتقل الحكم بعد سقوط المرابطين إلى الدولة الموحدية. ثم يبرز نشأة السلفية الوطنية في عهد الحماية الفرنسية عام 1912، واشتغالها بمحاربة الجهل والخرافات ومقاومة الاستعمار الفرنسي والإسباني. ويؤرخ الباحث لظهور السلفية العلمية بعام 1956 على يد الشيخ محمد تقي الدين الهلالي، ثم يتناول السلفية الجهادية وتأثير الربيع العربي على المرجعيات الفكرية للسلفيين.

وفي الفصل الرابع عشر، "السلفية في موريتانيا ومنطقة الساحل الإفريقي"، يدرس الكاتب محمد سالم ولد محمد الحركات السلفية في منطقة الساحل، واتجاهاتها وتياراتها المختلفة في موريتانيا، ونيجيريا، والنيجر، ثم تأثيرات السلفية الجزائرية على هذه التيارات من الناحية الفكرية والعملية. كما يتناول الباحث اتجاهات الحركة السلفية في إفريقيا الغربية، ودورها في محاربة الصوفية والتشيع، ومستقبل السلفية في الساحل الإفريقي في ظل المراجعات الفكرية.

وفي الفصل الأخير، وهو بعنوان "الاتجاه السلفي ومستقبله في السياسة الصومالية"، يرصد الكاتب حسن محمد إبراهيم مكونات المشهد السلفي في الصومال، بدءًا بجذور السلفية المنظمة في الصومال التي تعود إلى أواسط السبعينات من القرن العشرين عبر الجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ محمود عيسى إثر انشقاقها عن حركة الأهل، ثم الاتحاد الإسلامي الذي كان ثمرة اندماج الجماعة الإسلامية مع حركة وحدة الشباب الإسلامي، ثم ظهور جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، والسلفية غير المنظمة، والحزب الإسلامي، ثم حركة الشباب المجاهدين.