ما بعد السلفية
تاريخ النشر : 11/14/2018
عد زيارة : 45
سنة النشر : 0
عدد الأجزاء : 1
الصفحات : 711

شحيحة وقليلة تلك الدراسات النقدية، التى تناولت السلفية من السلفيين أنفسهم، فأنت يمكن أن تعدها على أصابع اليد الواحدة، إلا أن واحداً من تلك الدراسات أثار جدلاً في الأروقة السلفية، وهو (ما بعد السلفية)، لأحمد سالم، من الشباب السلفيين، الذين كان يعدونه كقيادى وشيخ سلفي كبير، ولذا أطلقوا عليه أبو فهر، من كثرة حفظه للمتون والشروحات السلفية، وعاونه شاب آخر وهو السلفى، عمرو بسيونى، وكلاهما الآن ترك السلفيين، ونظر لهم من الخارج.

أهم ما طرحه الاثنان، هو إعادة تعريف السلفية، حيث أنكرا التعريف السلفى للسلفية وهو الجماعة التي تعتقد بمنهج السلف، وتنتهج منهجهم في فهم الكتاب والسنة، وهؤلاء السلف هم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الثلاثة الأولى، ويعتبر السلفية أن من كان بالحديث أعلم كان بمذهب السلف أعلم وله أتبع، وأكدا أن هذا التعريف ينقصه الكثير، فيما أضافا، أن السلفيين يتفقون على مجموعة من الأصول المتعلقة بالتوحيد، والتي تُعَد العقيدة الواسطية لابن تيمية وكتاب التوحيد لمحمد ابن عبد الوهاب كركيزتين لهم وينصون على ضرورة الاتباع لها.

كل هذا يعتبر مجموعة من القواعد مثل رفض التأويل الكلامي ورفض المبالغة في الاعتداد بالعقل وتقديمه على النقل، وعدم معارضة الوحي بعقل أو رأي أو قياس، وهذا منهج بلا شك لا بد وأن يخضع للنقد وفق قول أبو فهر.

يقول الباحثان السلفيان، للسلفية مجموعة من الاختيارات أدت إلى صياغة هوية ثقافية للمنتمين للسلفية المعاصرة، مثل التزام النساء بتغطية الوجه، وتقصير الثياب وتحريم إسبال الرجال لثيابهم، وانتشار لبس الرجال للثوب السعودي، وتحريم الموسيقى، وتحريم حلق اللحية، وترك تهذيبها والأخذ منها.

طرح السلفيان نقداً لفكرة الفرقة الناجية لدى السلفيين، وطرحا رأياً أكثر انفتاحًا، مفاده أن مصطلح الفرقة الناجية مرادف لمصطلح الإيمان الكامل بالواجبات، والموافقة التامة لما كان عليه النبي صلى عليه وسلم في العلم والعمل، ولا ينطبق معنى الحديث على العقائد كما ينطبق على العبادات والأخلاق، وكل فرقة قد تصيب الحق في القول والعمل، وقد يفوتها في أقوال وأعمال أخرى، وقد تدركه في أبواب أخرى، بحيث تكون النجاة هنا مدار سعي للناس والفرق.

تستعمل السلفية حديثًا آخر لتدل من خلاله على معنى الفرقة الناجية، وهو قول النبى: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرون" الباحثان يشيران إلى كيفية استخدام ابن تيمية لهذا الحديث، فالطائفة المنصورة – كما يفسرها ابن تيمية – هم أهل الجهاد، وإن حُمِل الجهاد على معنى العلم، فلا يفيد الحديث تحديدًا لطائفة دون غيرها، وفق قلهما.

تطرَّق الباحثان بعدها لضرورة التفريق بين السلفية المنهجية والسلفية التاريخية، وأن الصَّحابة ليسوا هم الفِرقةً الناجية، مع أنهما ركَّزَا كثيرًا على مرجعية "إجماع الصحابة"، إلَّا أنَّ هذا التركيزَ كان له هدفٌ واضحٌ في الكتاب؛ هدفُه زحزحةُ مكانة معتقَد السلفيين فى موقع الصَّحابة، حيث يقولون أى السلفيين أن السَّلفيَّة: هي طلبُ ما كان عليه صحابةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، وهذه فق المؤلفين منهَجٌ يُطلبُ، وليست حقيقةً تُحاز، ومَن زعم اكتمال سلفيَّته كَذب.

يقول الباحثان السلفيان: إن السلفيَّةُ ليستْ مجرَّد مضامين معرفيَّةٍ، مَن حازها فهو سلفيٌّ. بل إنَّ من أعظم البلايا: أن تتحوَّل السلفيَّةُ إلى حالةٍ معرفيَّةٍ مجرَّدةٍ، ليس معها مقتضياتها الإيمانيَّة من التحقُّقِ بأعمال القلوب، وعِبادات الجوارح، ومكارم الأخلاق.

يختم الباحثان بقول هام، وهو: إن السلفي المعاصر لم يحل مشكلة التنازع التأويلي للكتاب والسنة بأنْ يردَّ الناس لفهم السلف، والسبب في أن المشكلة لم تحل، وهذا يعود إلى أنَّ ضبط أقوال السلف ومقاصدهم وأحوال هذه الأقوال- اتفاقًا واختلافًا، ثبوتًا ودلالةً- يمر بالضرورة عبر الذات المتلقية الناظرة في كلام السلف، وبالتالي فإن أقوال السلف نفسها ستعاني نفس إشكالية التنازع التأويلي، وهذا إن لم يكن في كل المسائل أو إنْ سلِمتْ منه مسائل، فلن تسلمَ منه أخرى، وبالتالي فإن العمل النقدي سيكون لازم الحضور للنجاة من أخطاء الذوات المتلقية لأقوال السلف؛ كي لا يتحوَّل فهم هذه الذوات إلى عقيدة صلبة.

في الختام، من المؤكد أن هناك نقدا يوجه إلى نقد السلفية فى كتاب الباحثين، إلا أننى أعتبر أنها محاولة جادة، نحتاج إلى مثلها كثيرًا.