إلى الجبال: حياتي في الجهاد، من الجزائر إلى أفغانستان
تاريخ النشر : 5/21/2019
عد زيارة : 42
سنة النشر : 0
عدد الأجزاء : 0
الصفحات : 0

من أين يجب أن نبدأ إذا ما أردنا سرد قصّة تطرف الحركات الإسلامية الذي ما زال يهدّدنا حتى اليوم؟ إنّ السّؤال مهمّ وإجابته لها أهمية تتجاوز مسألة التّسلسل الزّمني، على اختلاف المعلقين في الغرب على ذلك، من اليمين أو من اليسار السياسي.


تحوّلات فكرة الجهاد

"إلى الجبال: حياتي في الجهاد، من الجزائر إلى أفغانستان" هو عبارة عن مذكّرات مكرّسة أساساً لإعادة سرد دور المتطوّعين العرب الّذين قاتلوا إلى جانب المجاهدين الأفغان ضدّ المحتلّين السّوفييت في الثّمانينيّات. ويمكن القول إنّ تلك الفترة وذلك المكان هما أفضل ما يمكن البدء منه للقيام بتحقيق في كيف وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم.

اقرأ أيضاً: هل تعود طالبان لحكم أفغانستان من جديد؟
إنّ عبد الله أنس مؤهّل جيّداً لوصف هذه السّنوات. فهو لم يكن فقط بين "الأفغان العرب" من البداية تقريباً، بل كان في قلب عمليّة دعم المجاهدين في معركتهم. كما كان أيضاً زوج ابنة عبد الله عزّام ومعاونه المقرّب، وعزّام هو ناشط فلسطينيّ راحل وداعية وواعظ، وكان واحداً من المفكّرين المؤسّسين للفكر الجهاديّ المعاصر.

يجادل أنس، المقيم في لندن منذ منتصف التّسعينيّات، بأنّ منظّري التطرف الإسلاموي الدولي الحديث قد حرّفوا بشكل غريب تعاليم حميه الرّاحل، الذي اغتيل عام 1989. وفي كتابه، الّذي خطّه إلى حدّ كبير الصّحافيّ تام حسين، يقول أنس إنّ أسامة بن لادن ومجموعة من الشّخصيّات البارزة الأخرى في القاعدة رفضوا ما يعتبره تعريف عزّام، الأكثر اعتدالاً، للجهاد. قد يكون هذا صحيحاً جزئيّاً، وأنّ عزّام لم يشجّع صراحةً إرهاباً من النّوع الّذي شهدناه في السّنوات الأخيرة، إلّا أنّ حجّة عزّام الّتي تفيد بأنّه على جميع المسلمين الدّفاع عن المجتمع العالميّ للمؤمنين بغضّ النّظر عن مكان الهجوم مثّلت مساهمة مفتاحيّة في الرّؤية القائلة بوجود قوّة عالميّة من المسلّحين تُقاتل الغرب وغيره من أعداء المؤمنين، وهي الرّؤية الّتي تطوّرت في الثّمانينيّات.

أسطورة "الأفغان العرب"
ثمّ هناك المصريّ عمر عبد الرحمن، الّذي يصوّره أنس كرجل هَرِم ووديع سُجن ظلماً في الولايات المتّحدة لدوره في محاولة من جانب متطرّفين إسلامويّين، في عام 1993، لتدمير مركز التّجارة العالميّ. وهذا تصوّر اعتذاريّ مبالغ فيها ويقوّض مصداقيّة أنس. فقد كان عبد الرحمن الزّعيم الأيديولوجيّ للجماعات المصريّة المتطرّفة الّتي قادت حملة عنف عشوائيّة بشكل متزايد، قُتِل فيها الآلاف وتوّجت بمذبحة راح ضحيتها 58 سائحاً و4 سكان محلّيّين في الأقصر، في عام 1997. وفي خطبه، كان عبد الرّحمن ينعت الأمريكيّين بـ "أحفاد... الخنازير الّذين يأكلون... على موائد الصّهاينة والشّيوعيين والاستعماريّين" ودعا المسلمين إلى "قتالهم في البحر أو الجوّ أو الأرض".


لكن ما يقوم به أنس بشكل مفيد للغاية هو هدم المغالطة واسعة الانتشار الّتي تفيد بأنّ الأفغان العرب قد لعبوا دوراً مهمّاً على أيّ نحو في هزيمة السّوفييت في الثّمانينيّات. ففي عام 1983، كان عددهم 15 فقط، كما يقول، ولم يتجاوز عددهم البتّة أكثر من 300 أو 400. ولم تشهد سوى أقلّيّة منهم أيّ معارك، بل إنّ عدداً أقلّ من ذلك قاتل بشكل جيّد.

يجادل أنس بأنّ منظّري التطرف الإسلاموي الدولي الحديث قد حرّفوا بشكل غريب تعاليم حميه الرّاحل عبدالله عزام

وكما يوضح، فإنّ وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة لم يكن لها دور في تدريب أو تمويل أو تجهيز هذه القوّة الصّغيرة بشكل مباشر. وبعد مرور عشرين عاماً على تأسيسها، أصبح واضحاً الآن هُراء الفكرة القائلة بأنّ القاعدة عبارة عن وحش صنعته جواسيس الولايات المتّحدة. وهو ما ينطبق أيضاً على مختلف فروعها.
إنّ المتخصّصين والباحثين سيستمتعون بعمليّة سرد الجدالات الّتي وقعت بين مختلف الفصائل الأفغانيّة، وكذلك بالتّفاصيل الشّخصيّة المتعلّقة بالشّخصيّات الرّئيسة لتلك الفترة. وسيلاحظون أيضاً الطّابع الذّاتي والمتحيّز الّذي عليه هذا الكتاب. وبالرّغم من أنّ الصّحافيّ تام حسين قد قام بمحاولة شجاعة لخلق شيء يسهل الوصول إليه وقراءته، فإنّ الكتاب ليس موجّهاً للقارئ العام.