دخولٌ مُدوٍّ- مايكل یيونغ يناقش توما بييريه بحثه الأخير حول المرحلة السلفية الوجيزة التي شهدها الصراع السوري.
توما بييريه باحث أول في معهد البحوث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي (IREMAM)، وهو مركز مختلط ومتعدّد المجالات يربط بين جامعة إيكس-مرسيليا والمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS). بييريه مؤلّف كتاب "الدين والدولة في سورية: العلماء السنّة من الانقلاب إلى الثورة" Religion and State in Syria: The Sunni Ulama From Coup to Revolution (2013، منشورات جامعة كامبردج). وكتب مؤخّراً مقالاً لمؤسسة كارنيغي بعنوان "إخوة في الزكاة: المموّلون السلفيون والثورة السورية"، يتطرق إلى الدور الذي لعبه السلفيون الحركيون والعلميون في السنوات الأولى من الثورة السورية.
تاريخ النشر : 8/11/2018

"ديوان" أجرت مقابلة مع بييريه في أوائل حزيران/يونيو حول مقاله، وحول تداعيات الانخراط السلفي في الصراع السوري، بما يتجاوز التصوّرات غير الدقيقة حول هذه المسألة.

مايكل يونغ: ما الفكرة التي كنت تحاول إيصالها إلى القرّاء في مقالك الذي صدر مؤخّراً عن مؤسسة كارنيغي حول انخراط سلفيين من التيار السائد في النزاع السوري؟

توما بييريه: هذه قصة تغيّر مذهل في الحظوظ. فقد سجّل جامعو التبرّعات السلفيون في الخليج دخولاً مدوّياً إلى حلبة الثورة السورية في العام 2012، إذ أصبحوا سريعاً العامل الأهم في تشكيل تحالفات بين الثوار. اعتُبر حجاج العجمي، وهو داعية كويتي كان يبلغ 24 عاماً من العمر آنذاك، شخصية بارزة في تلك المرحلة، وبدا لفترة أنه اللاعب الأكثر تأثيراً في مسار الثورة السورية بأكملها. يُعزى هذا النجاح إلى قدرة هذه الشخصيات السلفية المُنتمية إلى التيار السائد والبارعة في استخدام وسائل الإعلام، على الإفادة من مروحة واسعة من الجهات المانحة الخاصة في دول الخليج. ونظراً إلى طابع الكويت الليبرالي نسبياً، اضطلعت البلاد بدور أساسي كمركز للشبكات الإقليمية من المموّلين السلفيين. بيد أن هذه الحقبة لم تعمِّر طويلاً، إذ وصلت إلى خواتيمها بشكلٍ أساسي في العام 2014.

يونغ: هل يمكنك أن تشرح الفرق بين السلفيين الحركيين والسلفيين العلميين؟ وكيف تجسّدت وجهات نظرهم المختلفة في السياق السوري؟

بييريه: فيما يركّز السلفيون العلميون في معظم الدول بشكلٍ حصري على الأنشطة الدعوية، وربما على الصدقات والأعمال الخيرية، يدعم السلفيون الحركيون شكلاً من أشكال الانخراط السياسي. لكن الأمور أكثر تعقيداً في الكويت، لأن السلفيين الحركيين والسلفيين العلميين (الممثّلين بجمعية إحياء التراث الإسلامي الغنيّة) على حدٍّ سواء يرشّحون أشخاصاً لخوض الانتخابات البرلمانية. إذن، يكمن جوهر الاختلاف في موقف كلٍّ منهما من نظام آل صباح ومن النظام الملكي السعودي. ففيما يميل السلفيون الحركيون إلى توجيه الانتقادات والمطالبة بإجراء إصلاحات سياسية، يُعتبر نظراؤهم العلميون أكثر انصياعاً وينظرون إلى التنافس الانتخابي كوسيلة للحدّ من تأثير القوى الإيديولوجية المُنافِسة لهم.

يونغ: تُلمح إذاً، على عكس الانطباع العام عن الصراع السوري، إلى أن الفصائل السلفية اضطلعت بدورٍ في سورية لفترة محدودة وحسب، في العامَين 2012 و2013. فما الذي أرغم السلفيين عموماً على تقليص مساعداتهم المقدّمة إلى المعارضة السورية؟

بييريه: واصل المموّلون السلفيون في الخارج تمويل فصائل منفردة بعد العامَين 2012 و2013، لكن بعضاً من أبرز هؤلاء المموّلين اختفوا عن المشهد مثل حجاج العجمي. وعلى أي حال، ما عاد التمويل السلفي عاملاً رئيساً في تشكيل تحالفات بين الثوار. وهذا يُعزى جزئياً إلى القمع الذي مارسته الدولة، ولاسيما في الكويت، والذي تمّ بدفع من العقوبات الأميركية على جامعي التبرعات السلفيين، علاوةً على خطوات القمع ضدّ الإسلاميين على صعيد المنطقة غداة الانقلاب في مصر العام 2013. كما تأتّى تأثير الجهات الراعية السلفية الأجنبية أيضاً من تغيّر الاحتياجات في صفوف الفصائل المسلحة في سورية. فبينما روّج جامعو التبرعات السلفيين إلى تحالفات قائمة على الإيديولوجيا على امتداد البلاد، فرضت الانتكاسات العسكرية لاحقاً إعطاء الأولوية إلى التعاون البراغماتي على المستوى المحلي.

يونغ: ما أبرز المجموعات المدعومة من السلفيين العرب في سورية، وماذا حدث لهم؟

بييريه: قام السلفيون الحركيون بتمويل أكبر ائتلافين للثوار خلال الصراع، وهما جبهة تحرير سوريا الإسلامية والجبهة الإسلامية السورية، اللتين اندمجتا أواخر العام 2013 تحت مظلّة ما سُمي بالجبهة الإسلامية. بيد أن هذه الأخيرة سرعان ما تحوّلت إلى قوقعة فارغة، وبقي ركناها الأساسيان، أي أحرار الشام وجيش الإسلام، الأكثر تأثيراً من بين الفصائل غير الجهادية إلى أن انقلبت حظوظهما بدءاً من العام 2017.

أما السلفيون العلميون فقدّموا الدعم لجبهة الأصالة والتنمية، وهي ائتلاف أصغر كان مركز ثقلها في شرق سورية. وقد ضعفت إلى حدّ كبير عندما طرد تنظيم الدولة الإسلامية في 2014 الفصائل الأخرى من المنطقة. بيد أن مجموعات تابعة لها، على غرار جيش أسود الشرقية وجيش سوريا الجديد، واصلت القتال ضدّ الدولة الإسلامية في الصحراء الوسطى بدعم أميركي خلال السنوات اللاحقة، لكن الاختلافات داخل الجبهة جعلتها تنهار في العام 2016.

يونغ: ما الإرث الذي خلفه السلفيون في سورية، بخاصة في بلد لا وجود فيه لتقاليد سلفية متينة؟

بييريه: إلى جانب دعمهم للفصائل المسلحة، قام السلفيون الخليجيون بتمويل المشاريع الدعوية والإنسانية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة وفي صفوف مجتمعات اللاجئين، كما كان لها تأثير على مستوى القواعد الشعبية. بيد أن المنظمة السلفية الحركية، هيئة الشام الإسلامية، لعبت دوراً بارزاً في المجلس الإسلامي السوري الذي يتخذ من إسطنبول مقرّاً له، والذي تمّ تأسيسه في العام 2014 كبديل عن المؤسسة الدينية التي يسيطر عليها النظام.

علاوةً على ذلك، قام السلفيون الخليجيون بتمكين فصائل سلفية تمتلك أجندتها الدينية الخاصة، مثل أحرار الشام وجيش الإسلام. أضف إلى ذلك، بالطبع، الجهود الدعوية المنفصلة للجماعات الجهادية، التي روّجت أيضاً للعقائد الدينية السلفية. وهذا يعني عموماً أن السوريين الذين يعيشون خارج المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد أو حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، واجهوا قاعدة دينية سلفية أكبر، بشكل لايقبل المقارنة، مما كان عليه الحال قبل العام 2011.

مع ذلك، من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات عندما يتعلق الأمر بالتأثير طويل الأمد، لأنه ثمة مخاوف في أوساط السلفيين السوريين أنفسهم من ردّ فعل شعبي محتمل ضدّ التأويلات المحافظة للإسلام. وبالنسبة إلى العديد من السوريين، ترتبط العقائد السلفية الآن بالفصائل الجهادية التي وضعت أسس الحكم الاستبدادي، واجتذبت تدخلات عسكرية أجنبية كارثية. أما بالنسبة إلى الفصيلين السلفيين، أحرار الشام وجيش الإسلام، اللذين كانا في يوم من الأيام من الأطراف الصاعدة، فقد باتا الآن مجرد ظلال لما كانا عليه سابقاً، ما قد ينعكس سلباً على العقيدة الدينية التي يلتزمان بها.

الكلمات الرئيسية:
إرسال الرأی