انطلقت بعد العشرية السوداء في الجزائر وترعرعت في فراغ الصحراء تنظيمات الصحراء الكبرى: القدرة على التمدد والكر والفر وحرب العصابات
تعود بواكير ظهور الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل والصحراء إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما تشكلت في الجزائر مجموعات مسلحة أعلنت "الجهاد" على الدولة، بعد قرار الجنرالات إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي أسفرت عن فوز ساحق لحزب "جبهة الإنقاذ" الإسلامية الراديكالية.
تاريخ النشر : 4/22/2019
إشارة : حول الخلیج

تعود بواكير ظهور الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل والصحراء إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما تشكلت في الجزائر مجموعات مسلحة أعلنت "الجهاد" على الدولة، بعد قرار الجنرالات إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي أسفرت عن فوز ساحق لحزب "جبهة الإنقاذ" الإسلامية الراديكالية.

وقد عاشت الجزائر بعد تلك الانتخابات أحداث عنف دامية، عرفت باسم "العشرية السوداء"، برزت خلالها جماعات متطرفة عديدة، تشكلت بنيتها الهيكلية ومنظوماتها الفكرية في الجبال والأدغال والصحاري، فكانت تتناحر فيما بينها أحيانًا، وتتوحد لمواجهة الجيش وقوات الأمن أحيانًا أخرى.

ومن أبرز تلك الجماعات "الجيش الإسلامي للإنقاذ"، الذي قررت عناصره لاحقًا تسليم السلاح والانخراط في مشروع المصالحة الوطنية، و"الجماعة الإسلامية المسلحة" التي كانت أشد تلك التنظيمات تطرفًا ودموية، خصوصًا خلال مرحلة قيادة آخر أمرائها "عنتر زوابري" الذي أصدر فتوى بتكفير عامة الشعب الجزائري، وارتكب أتباعه مذابح مروعة ضد الجزائريين. وقد تفكك هذا التنظيم لاحقًا وانبثق عنه في نهاية التسعينيات تنظيم جديد يسمى "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، سيشكل نواة فرع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. واعتمد هذا التنظيم استراتيجية للتوسع والخروج من إطار "الجزأرة" (البقاء في الجزائر)، فكانت الصحراء الكبرى ملاذا له، خصوصًا منطقة شمال مالي وشمال النيجر، حيث غياب سلطة الدولة المركزية، بسبب حركات التمرد التي عاشتها تلك المناطق خلال العقود الماضية، والحروب التي عرفتها بين الحكومات في مالي والنيجر من جهة، والمتمردين الطوارق والعرب من جهة أخرى، فأصبحت تلك الصحاري مرتعًا لعصابات التهريب والسطو والجماعات الإرهابية التي استوطنتها منذ نهاية التسعينيات.

وفي أغسطس 2003م، قرر واحد من قادة "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" يدعى "عمار الصايفي" الملقب "عبد الرزاق البارا"، اللجوء إلى صحراء مالي لإخفاء قرابة ثلاثين رهينة من الرعايا الغربيين اختطفهم من الجزائر، ومنذ ذلك التاريخ تحولت تلك المنطقة إلى ملاذ آمن لمقاتلي التنظيم.

وفي سنة 2004م، قرر الجزائري "المختار بلمختار"، نقل قيادة ما يسمى "إمارة الصحراء" إلى تلك المنطقة، واستقر في الناحية الشمالية الشرقية من الصحراء المالية التي شكلت متسعًا مكانيًا للمقاتلين المتطرفين لإقامة معسكرات تدريب، وتجنيد شباب دول المنطقة، والانخراط في تجارة السلاح وتهريبه إلى الجزائر. وهناك ولدت تنظيمات متطرفة جديدة، ووقعت أحداث جسيمة كان لها تأثير كبير على المنطقة، سنتعرض لها لاحقًا.

ثانيًا. التواصل مع المتطرفين في أفغانستان

ومن تلك الصحراء انطلقت أولى محاولات ربط التنظيمات الإرهابية المحلية، بالتنظيمات الإرهابية العالمية، حيث بدأت رسل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن تصل إلى شمال مالي قادمة من السودان عبر تشاد والنيجر والصحراء الليبية لربط الصلة بالمقاتلين الجزائريين، إلا أن تلك المحاولات توقفت في مراحلها الأولى بعد مقتل بعض قادة "الجماعة الليبية المقاتلة" الذين أوفدهم ابن لادن إلى المنطقة، على يد المتطرفين الجزائريين.

وفي مطلع 2001م، وصل إلى منطقة الصحراء في شمال مالي القيادي اليماني في تنظيم القاعدة باليمن "عبد الوحيد أحمد علوان" المكنى "أبو محمد اليماني" مبعوثًا من زعيم القاعدة أسامة ابن لادن، وأقام فيها تسعة أشهر كان خلالها يعد التقارير عن المسلحين الجزائريين، ويدرس إمكانية اتخاذ منطقة الصحراء الكبرى قاعدة خلفية احتياطية لتنظيم القاعدة في حال تم التضييق عليه في أفغانستان واليمن، واستمرت منطقة شمال مالي والنيجر بؤرة للاتصال والنقاش بين الجماعات الإرهابية في المنطقة، وقيادات القاعدة في أفغانستان وإيران، وعرفت العلاقة بينهما مدًا وجزرًا، إلى غاية سبتمبر 2006م، حين وصل إلى مالي القيادي في القاعدة "يونس الموريتاني"، وهو يحمل رسالة بموافقة أسامة بن لادن على قبول انضمام "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" إلى تنظيم القاعدة وبيعتها له، فتم تغيير اسم التنظيم ليصبح "تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي".

وبالتوازي مع ذلك كانت أفواج من عناصر "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد" المعروفة إعلاميًا باسم "بوكو حرام" في شمال نيجريا، تصل إلى شمال مالي للتدريب في معسكرات تنظيم القاعدة هناك، وتتلقى الدعم المالي واللوجستي.

وقد تضاعفت وتيرة ذلك التعاون بعد وصول رسالة من "بن لادن" إلى قادة القاعدة بالصحراء الكبرى، يوصي فيها بضرورة تدريب وتأهيل جماعة "بوكو حرام" والسعي لضمها إلى تنظيم القاعدة باعتبار ذلك فرصة لفتح جبهة جديدة في غرب إفريقيا، بعد نجاح القاعدة في تأسيس تنظيم "الشباب المجاهدين في الصومال" في شرق القارة السمراء. وقد سارع مؤسس "بوكو حرام" محمد يوسف إلى بيعة القاعدة وربط الصلة بأمرائها في الصحراء.

ثالثًا. الواقع الراهن

بعد قرابة عقدين على شروع المقاتلين المتطرفين من الجزائر في التمركز بصحراء شمال مالي واتخاذها قاعدة خلفية، تغيرت أمور كثيرة، وظهرت جماعات جديدة بعضها "سلفي جهادي" وبعضها "قومي يساري"، قبل أن يستقر وضع الجماعات المتطرفة على التشكيلات التالية:

  1. إمارة الصحراء

وهي فرع تابع لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بقيادة "عبد الملك دوركدال"، المكنى "أبو مصعب عبد الودود"، والذي يتخذ من الجزائر مقرًا لقيادته المركزية. وقد أعيدت هيكلة إمارة الصحراء بداية 2007م، بعد إعلان انضمام "الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية"، إلى تنظيم القاعدة، وظلت زعامتها متأرجحة بين عدد من القادة الميدانيين، إلى أن استقرت في أكتوبر 2012م، في يد "جمال عكاشة" المكنى "يحيى أبو الهمام"، وهو جزائري من مواليد 1978م، بمنطقة "ارْغَايَة" قرب العاصمة الجزائرية.

وتتبع لإمارة الصحراء عدة كتائب وسرايا من بينها، "كتيبة طارق بن زياد" التي أسسها الجزائري "عبد الحميد أبو زيد" 2003م، وانضمت لإمارة الصحراء 2007م، وبعد مقتله على يد القوات الفرنسية 2013م، أسندت قيادتها إلى جزائري آخر يسمى "سعيد أبو مقاتل" ما زال يقودها حتى الآن. وتنشط هذه الكتيبة في المناطق الحدودية بين مالي والجزائر، و"كتيبة الفرقان"، وقد تأسست 2007م، مع إعادة هيكلة إمارة الصحراء، ويتولى قيادتها حاليًا "الشيخ إبراهيم ولد حمود" المكنى "أبو الدرداء" وهو شاب موريتاني من مواليد 1981م، وتنشط هذه الكتيبة في منطقة "تاودنّي" بشمال غرب مالي، بمحاذاة الحدود مع موريتانيا باتجاه حدود ولاية تمنراست الجزائرية، و"سرية الأنصار" وهي سرية أسسها أمراء القاعدة 2007م، وخصصت للمقاتلين الطوارق المنخرطين في التنظيم، وأسندت قيادتها إلى "أبي عبد الكريم الطارقي"، وهو مقاتل ينحدر من طوارق شمال مالي، ومن الذين التحقوا مبكرًا بالجماعة السلفية للدعوة والقتال عشية وصولها إلى صحراء شمال مالي 2003م، وبعد مقتله 2014م، لم يكشف النقاب عن أميرها الجديد، وتنشط هذه الكتيبة في منطقة "آدرار الإفوغاس" بشمال شرق مالي، و"سرية القدس"، وقد أعلن عن تأسيسها سنة 2014م، بعد سنة على بدء الحرب الفرنسية الإفريقية على الجماعات المتطرفة في مالي، ويقودها "طلحة الليبي" وهو شاب ليبي من أصول موريتانية، وتنشط  هذه الكتيبة في منطقة تمبكتو و"الزبارة" بشمال مالي، وهي المسؤولة عن قتل عدد كبير من عناصر القوات الدولية في شمال مالي، وسرية "يوسف بن تاشفين، ويتزعمها "أبو عبد الحكيم الكيدالي"، الملقب "القيرواني"، وهو شاب طارقي ينحدر من مدينة "كيدال" بأقصى شمال شرق مالي، وتنشط في منطقة "تساليت" وجبال "تغرغرات" في أقصى شمال الشرق، وقد تولى مقاتلو "إمارة الصحراء" السيطرة على مدينة تمبكتو، 2012م، إبان غزو الجماعات المتطرفة للشمال المالي.

  1. المرابطون:

ولد هذا التنظيم رسميًا في أغسطس 2013م، بعد اندماج تنظيمين كانا ينشطان في مالي هما: "كتيبة الملثمون" بقيادة "المختار بلمختار"، و"جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا" بقيادة "أحمد الأزوادي". ويعتبر هذا التنظيم من أخطر التنظيمات المتطرفة في المنطقة وأكثرها عنفًا، وقد تولى قيادته عند تأسيسه المصري "أبو بكر المهاجر" وبعد مقتله سنة 2013م، عين "أحمد الأزوادي" أميرًا له، إلى أن قتل نهاية 2014م، فاختار التنظيم الجزائري "المختار بلمختار" أميرًا جديدًا له، وهو المسؤول عن عدد من الهجمات التي طالت دول المنطقة، ومن أبرزها هجوم على مجمع لتكرير الغاز في بلدة "عين آميناس" في الجزائر 2013م، وهجوم مزدوج على مجمع لاستخراج اليورانيوم في شمال النيجر تابع لشركة آريفا الفرنسية، كما نفذ هجمات استهدفت احتجاز وقتل عدد من الرهائن الغربيين في فنادق بمالي وبركنافاصو وساحل العاج.

ويتألف هذا التنظيم من مقاتلين من جنسيات مختلفة، أغلبهم من شمال مالي، إضافة إلى جزائريين وليبيين وسودانيين ومصريين وتونسيين، ومن أبرز قادته الحاليين، "الحسن الأنصاري"، وهو النائب الأول لأمير التنظيم، وينحدر من قبائل الطوارق في منطقة أزواد بشمال مالي، والسعودي "أبو دجانة القصيمي"، وقد تولى منصب المسؤول الإعلامي للتنظيم، بعد مقتل مسؤوله السابق الحسن ولد خليل المكنى "جليبيب"، ويضم هذا التنظيم عدة كتائب وسرايا من بينها: "كتيبة الموقعون بالدماء"، وكتيبة "الأنصار" وهي كتيبة مخصصة للمقاتلين المنحدرين من قبائل السونغاي الزنجية في مالي، و"كتيبة أسامة بن لادن" وتضم مقاتلين من عرب شمال مالي، و"سرية عبد الله عزام"، و"سرية أبو الليث الليبي"، و"سرية الزرقاوي"، و"سرية الاستشهاديين"، وهذه الأخيرة مخصصة للمقاتلين المتطوعين لتنفيذ عمليات انتحارية.

وقد شهد تنظيم "المرابطون" انشقاقًا كبيرًا سنة 2015م، قاده عضو مجلس الشورى "عدنان أبو الوليد الصحراوي" سنعود إليه لاحقًا في الحديث عن فرع تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة.

  1. أنصار الدين:

وهي تنظيم سلفي جهادي محلي مكون من مقاتلين من قبائل "الإفوغاس" الطارقية، ويتزعمه "إياد أغ غالي" وهو زعيم طارقي محلي، قاد حركة التمرد الثورية اليسارية في شمال مالي سنة 1989م، قبل أن يوقع اتفاق سلام مع الحكومة المالية، ثم تخلى سنة 2007م، عن الفكر اليساري القومي، وانضم إلى جماعة الدعوة والتبليغ، وعمل قنصلا لجمهورية مالي في جدة، قبل أن يتم طرده للاشتباه في علاقته بجماعات إرهابية. وفي أكتوبر 2011م، ظهر "إياد أغ غالي" في جبال شمال مالي، وأعلن عن تأسيس تنظيم جهادي محلي سماه "أنصار الدين"، ودخل في تنسيق مباشر مع تنظيم القاعدة الذي وضع تحت تصرفه كتائبه ومقاتليه في الصحراء، وقد شهد هذا التنظيم انشقاقًا كبيرًا مطلع 2013م، حين أعلن عدد من قادته رفضهم تنسيق "إياد أغ غالي" مع الجماعات الإرهابية، وأسسوا تنظيمًا جديدًا تحت اسم "الحركة الإسلامية الأزوادية" ثم غيروا الاسم لاحقًا ليصبح "المجلس الأعلى لوحدة أزواد"، وهي حركة قومية محلية، وقعت اتفاق سلام مع الحكومة المالية، وتسعى لأن تكون شريكًا في حكم وتسيير مناطق شمال البلاد.

  1. "كتائب تحرير ماسينا"

وهو تنظيم أسسه مقاتلون من قبائل "الفلان" المنتشرة في وسط مالي، ويتزعمه "الإمام محمدو كوفا"، وينشط هذا التنظيم في منطقة "ماسينا" بوسط مالي. وقد نفذ عدة عمليات دموية ضد الجيش المالي، وتقوم فلسفة هذا التنظيم على ما يسمونه رفع الظلم والاضطهاد عن قبائل "الفلان" الممارس عليها من طرف قبائل "البمبارا" الحاكمة في مالي، حيث تتحدث التقارير عن تعرض قرى قبائل "الفلان" للحرق والقتل والاغتصاب على يد الجيش المالي بشكل متكرر. وتعتبر "كتيبة خالد بن الوليد" أبرز كتائب تحرير ماسينا وأشرسها، وهي المسؤولة عن مهاجمة عدد من المدن المالية وقتل عشرات من عناصر الجيش والشرطة.

ومؤخرًا أعلنت هذه الجماعات الأربع (إمارة الصحراء، والمرابطون، وأنصار الدين، وكتائب ماسينا) عن اندماجها في تنظيم واحد يسمى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وعينت "إياد أغ غالي" أميرًا لها، ورغم أن هذا الاندماج يشكل إعلان ميلاد أكبر تنظيم متطرف في المنطقة، إلا أن العارفين بقضايا المنطقة يؤكدون أن إعلانه ليس سوى خرجة إعلامية، لن يكون لها تأثير كبير على المنطقة، حيث سيحتفظ كل تنظيم منها بخصوصيته الجغرافية والعرقية، وستبقى نشاطاتها منحصرة على المدى القريب والمتوسط في مناطق نفوذها التقليدية.

  1. جماعة أنصار الإسلام في بوركينافاسو

وهي جماعة حديثة أعلن عن ميلادها نهاية 2015م، ويتزعمها الإمام "إبراهيم مالام جيكو"، وتضم مقاتلين من قبائل "الفلان" الإفريقية في شمال بوركينافاسو، وتعتبر امتدادا لتنظيم "كتائب تحرير ماسينا" المنتشرة في الوسط المالي.

وتركز هذه الجماعة في عملياتها على الجيش وقوات الأمن، وتتحدث مصادر محلية عن علاقة وثيقة بين قادتها وزعيم جماعة المرابطون "المختار بلمختار".

  1. جماعة الدولة الإسلامية في مالي

يقود هذه الجماعة التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) "عدنان أبو الوليد الصحراوي" واسمه "الحبيب ولد عالي سعيد الجماني"، وهو شاب ينحدر من إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه بين المغرب والبوليساريو. نشأ هذا الشاب في مخيمات اللاجئين الصحراويين بجنوب الجزائر، ودرس في الجامعات الجزائرية قبل أن يلتحق بتنظيم القاعدة بشمال مالي في فبراير 2011م، وكان يشغل منصب رئيس مجلس شورى "جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا" منذ تأسيسها أواخر 2011م.

وبعد حلها واندماجها في تنظيم "المرابطون" سنة 2013م، عين عضوًا في مجلس شورى التنظيم الجديد، وعشية مقتل أمير "المرابطون" السابق "أحمد الأزوادي" أعلن "أبو الوليد الصحراوي" نفسه أميرًا للتنظيم وبايع زعيم "داعش" أبا بكر البغدادي، لكن "المختار بلمختار" أعلن رفض البيعة وطرد "الصحراوي من التنظيم، فأسس هذا الأخير تنظيمًا سماه "جماعة الدولة الإسلامية في مالي" ومعظم مقاتليه من قبائل "الفلان" المنحدرين من قرى على الحدود بين النيجر ومالي، مع بعض "الصحراويين" وعناصر من قبائل "عرب تلمسي". وأعلن "الصحراوي" عن تأسيس فرعين له في النيجر وبوركينافاسو، إلا أنه يمكن القول إن هذا التنظيم يعتبر الآن هو الأضعف في المنطقة، بسبب سيطرة قادة تنظيم القاعدة عليها وتوغلهم فيها، وانقطاع الصلة بينه وبين قيادة "داعش" في العراق وسوريا، حيث اعتقل مقاتلو تنظيم القاعدة في ليبيا موفد البغدادي إلى الصحراء الكبرى، وهو "أردني" قدم من العراق أوفده البغدادي إلى منطقة الصحراء الكبرى، كما واجه فرع "داعش" في ليبيا حلفاء الصحراوي ضربات موجعة في سرت ودرنة، بجنوب وشرق ليبيا.

  1. بوكو حرام

تأسست هذه الجماعة سنة 2001م، على يد "محمد يوسف"، واسمها الرسمي، "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد"، إلا أن وسائل الإعلام درجت على تسميتها باسم "بوكو حرام" وهي ترجمة لعبارة "التعليم الغربي حرام"، بلغة الهوسا المنتشرة في نيجريا، نظرًا لأن التنظيم يحارب هذا التعليم. وقد ارتبطت جماعة "بوكو حرام" مبكرًا بتنظيم القاعدة، وكانت تنشط بشكل علني في كبريات مدن شمال نيجريا خصوصًا ولايات بورنو ويوبي وكانو، وفي سنة 2009م، قتل الجيش النيجري زعيم الجماعة ومئات من أتباعه، فلجأ الناجون منهم إلى غابة "سامبيسا" في أقصى الشمال الشرقي على الحدود مع تشاد والنيجر.

ويعتمد هذا التنظيم على عناصر من قبائل "الكانوري" المعروفين باسم "البرنو"، وبعد مقتل مؤسس التنظيم أعلن نائبه "أبو بكر شكاو" نفسه أميرًا للتنظيم، وكان أكثر دموية من سلفه حيث نفذ عشرات الهجمات الانتحارية واختطف مئات الفتيات والأشخاص، وقد أعلن انفصاله عن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي نهاية 2011م، قبل أن يعلن سنة 2015م، بيعته لتنظيم "داعش" وتغيير اسم التنظيم ليصبح "جماعة ولاية غرب إفريقيا"، لكن قيادة "داعش" التي أعلنت قبول بيعة بوكو رحام، سارعت إلى عزل "أبو بكر شيكاو" وتعيين "أبي مصعب البرناوي" أميرًا عليها، وهو ما رفضه "شيكاو" وهدد بقتل الأمير الجديد، فانقسمت الجماعة إلى ثلاث طوائف، تتمركز كل منها في منطقة مستقلة داخل غابة "سامبيسا"، وهي:

-   جماعة "شيكاو"، التي ترفض قرار عزله عن قيادة الجماعة وتتمسك به زعيما لها، وتعتبر أن قرار "أبو بكر البغدادي" عزله عن قيادة الجماعة كان خطأ يجب التراجع عنه.

-   جماعة "أبو مصعب البرناوي"، الذي عينه "البغدادي" أميرًا للتنظيم، ويقود هذا الفصيل عمليًا القيادي المؤسس في الجماعة "محمد نور" وهو من الخصوم التقليديين لشيكاو في الجماعة، وكان قد فر إلى الصومال سنة 2010م، بعد تلقيه تهديدات من محمد يوسف بالقتل، ويتمسك هذا الفصيل ببيعة "داعش" ويعتبر "شيكاو" خارجًا عن الطاعة ومتمردًا على أوامر الخليفة.

-   جماعة "بانا بانكي" وهو قيادي في التنظيم، رفض قرار "الشكاو" بمبايعة "داعش"، ويدعمه القائد العسكري السابق للتنظيم "محمد داوود" ويتألف هذا الفصيل من مقاتلين أغلبهم من تشاد وقبائل "عرب شوا" المنتشرين على الحدود بين نيجيريا وتشاد والنيجر.

  1. جماعة أنصار الإسلام في بلاد السودان

وهي جماعة انشقت عن "بوكو حرام" سنة 2011م، بعد قرار "شيكاو" فك الارتباط مع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، ويتزعمها "خالد البرناوي"، وتدين بالولاء لتنظيم القاعدة خصوصًا زعيم جماعة "المرابطون" المختار بلمختار. وقد نفذت العديد من عمليات الخطف والقتل استهدفت رعايا غربيين وأجانب في نيجيريا، وقد خف نشاط هذه الجماعة منذ سنة 2015م، بعد إعلان الجيش النيجري عن اعتقال زعيمها.

رابعًا. ملاحظات ختامية

يتجسد الخطر الذي تشكله هذه الجماعات على منطقة الساحل والصحراء في تجليات نموها وتطورها باضطراد رغم الحرب التي تشنها عليها جيوش المنطقة والقوات الفرنسية، حيث أثبتت التجربة أنها تمتلك القدرة على الانتشار السريع، والتمدد داخل المنطقة، منتهجة استراتيجية الكر والفر وحرب العصابات التي تجعل مواجهتها بتكتيك الحروب التقليدية أمرًا غير حاسم في القضاء عليها، حيث تعتمد شنّ الهجمات الانتحارية ونصب الكمائن واحتجاز الرهائن واختطافهم وقتلهم إن لم تنجح في مبادلتهم بسجناء أو بأموال، الأمر الذي يشكل تحديًا حقيقيًا للأمن في المنطقة، إذ يلحق بالغ الضرر باقتصاديات بلدانها وسياساتها الاستثمارية ومداخيلها السياحية.

ويشكل انتشار الفقر والجهل في المنطقة عاملاً يسهل على هذه الجماعات اكتتاب المنخرطين الجدد. وفضلا عن ذلك، فإنها نجحت في استغلال وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير لا يخلو من احترافية جذابة وعصية على المواجهة.

كما أن تركيز بعض هذه الجماعات على التداخل الديموغرافي والاجتماعي والقبلي والإثني بين سكان المنطقة مكنها من توفير حاضنة تجعل من الصعب اجتثاثها، كما هو حال جماعة "أنصار الدين" في شمال مالي، التي تتخذ من الطوارق الإفوغاس حاضنة لها، وتكتتب مقاتليها من بينهم، وكذلك "كتائب تحرير ماسينا" في وسط مالي، وجماعة "أنصار الإسلام في بوركينافاسو" اللتان تركزان على قبائل "الفلان" في مالي والنيجر، وجماعة "بوكو حرام" في نيجريا التي تشكل قبائل "الكانوري" و"عرب شوا" المنتشرة في شمال النيجر وجنوب نيجيريا وغرب تشاد وشمال الكامرون، عمودها الفقري، هذا فضلاً عن كون القوميات التي ينتمي لها معظم مقاتلي هذه التنظيمات، تشكل أقليات في بلدانها تتعرض للاضطهاد والظلم على يد مجموعات عرقية أخرى مسيطرة، الأمر الذي يجعلها تمثل في جانب من نشاطاتها مقاومة ضد الاضطهاد ونزعة لحماية الحقوق المسلوبة.

وأخيرًا، فإن سياسة الأنظمة المستبدة الحاكمة في المنطقة، والتهميش والغبن وغياب العدالة الاجتماعية، وسوء الحكامة، والتدخل الأجنبي السافر، كلها عوامل تشكل رافدًا يغذي هذه الجماعات المتطرفة بمزيد من المناصرين والمنخرطين، وخصوصًا الشباب الناقمين على الظلم والتهميش والرافضين للتدخل الأجنبي وللاحتلال، هذا فضلاً عن احتمال تحول الساحل والصحراء بحكم هشاشة المنظومات الأمنية والسياسية الحاكمة إلى مجال جغرافي لاستقطاب فلول داعش والتنظيمات المتطرفة التي تواجه حربًا شرسة وتضييقًا غير مسبوق في المشرق العربي.

إرسال الرأی