الموتمر التيارات التكفيرية أسباب نشوئها وطرق مكافحتها - تربة جام 13 ذي الحجّة 1437 هـ المصادف لـ 15 أيلول 2016
تاريخ النشر : 5/27/2017

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بيان سماحة المرجع الشيخ ناصر مکارم الشيرازي دامت برکاته

التيارات التكفيرية أسباب نشوئها وطرق مكافحتها

تربة جام 13 ذي الحجّة 1437 هـ المصادف لـ 15 أيلول 2016

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِين وَصَلَّی اللهُ عَلَی سَيدِنا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِين وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلًّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظيمِ.

أبارك لكم – أيها الأعزّة – انعقاد هذا المؤتمر العظيم الّذي حضره علماء الشيعة وأهل السنّة والجماعة والمسؤولين في هذه المنطقة، وكونوا على يقينٍ بأنّ المشاركة في برامج هذا المؤتمر وفعاليّاته المختلفة سيكون جزءًا من ذخائركم ليوم المعاد إن شاء الله؛ [إذ إنّه] عملٌ صالحٌ وسيجازي الله عليه بالأجر المناسب.

إنّ سبب إقامة مؤتمرنا هذا واضحٌ؛ إذ إنّ أكبر خطرٍ يهدّد العالم الإسلاميّ اليوم هو خطر التكفيريّين. وإذا ألقينا نظرةً إلى العالم الإسلاميّ اليوم سنرى أنّ هؤلاء التكفيريّين قد أوقدوا نارًا [للحرب والدمار]، وقد أحالوا بعض الدول الإسلاميّة إلى ركامٍ، [وها نحن نرى سوريّا]، وعسى أن تطفأ نار الحرب فيها إن شاء الله، وحتى إن أطفئت فلن يستطيعوا إعمار ما خرّبته الحرب حتّى بعد خمسين سنةً! وها نحن نرى العراق واليمن وأماكن أخرى وقد أشعلوا فيها نيران الحرب الّتي أحرقت المسلمين من الشيعة والسنّة على حدٍّ سواءٍ. وفي العراق نرى أن أكثر التخريب والقتل حصل في الجزء الشماليّ منه الّذي يسكنه إخواننا من أهل السنّة، ولا فرق عند هؤلاء بين سنّيٍّ وشيعيٍّ؛ لذلك فإنّهم خطرٌ يتهدّد العالم الإسلاميّ بأسره، وهذا الخطر إذا لم يشعل نيران الحرب في بعض المناطق فإنه يسعى إلى زعزعة الأمن فيها؛ فنرى التكفيريّين في دولٍ كتركيا يرتكبون الجرائم بين مدّةٍ ومدّةٍ، وقد حاولوا إيجاد الرعب والإحساس بالخطر في نفوس الناس. وكذلك الحال في الدول غير الإسلاميّة؛ إذ إنّ خطرهم محسوسٌ؛ ولذلك فإنّ التكفيريّين خطرٌ يهدّد كلّ البشريّة، ويجب أن تتظاهر جهود الكلّ في إزالة هذا الخطر.

وتوجد ثلاث طرقٍ لمحاربة التكفيريّين، أوّلها طريق الحلّ العسكريّ، وثانيها الطريق السياسيّ، والأخير هو الطريق الثقافيّ. إنّ الطرق السياسيّة والعسكريّة لا تعطي أيّ ثمرةٍ بدون سلوك الطريق الثقافيّ؛ لأنّه إذا قضي على المجموعات التكفيريّة الآن فستأتي أخرى لتحلّ محلّهم، فيجب أن يفهم العالم الإسلاميّ أنّ التكفير انحرافٌ عن الإسلام، بل لا يلتقي مع روح الإسلام أو جسمه في شيءٍ، وهذا [التنوير الثقافيّ] يمنع التكفيريّين من كسب أفرادٍ جددٍ.

والحمد لله أنّه وبعد المؤتمرين العالميّين اللذين أقيما في قمٍّ ضدّ الحركات والتيّارات التكفيريّة في السنتين الماضيتين، وحضرهما علماء دينٍ كبارٌ من 80 دولةً في العالم؛ وصلنا خبرٌ بأنّ استقطاب داعش وأخواتها للأفراد قد قلّ كثيرًا، وهذا يعني أنّ العمل الثقافيّ قد ترك أثره بالفعل؛ ولذلك يجب على العلماء والشخصيّات [المؤثّرة] والمسؤولين أن تتظافر جهودهم في كلّ المناطق؛ لتوضيح الخطر الّذي يشكّله التكفيريّون، وليتوضّح انحرافهم وبعدهم عن الإسلام والمسلمين.

أيّها الأعزّة.. إنّ الإسلام دين الرحمة، وإنّنا لنصف الله في صلواتنا بالليل والنهار بالرحمن والرحيم؛ ولذلك فإنّ أيّ عملٍ يقوم به هؤلاء مخالف لديننا مخالفةً صريحةً، فدينهم دين القتل وإراقة الدماء والتخريب والتخويف، والإسلام بريءٌ من دينٍ كهذا. وأرى لزامًا أن أذكّر بمسألةٍ مهمّةٍ، وهي أنّ أبلغ ضررٍ تتسبّب بها هؤلاء تشويه صورة الإسلام في العالم، كما أنّ أعداء الإسلام يريدون أن يساووا الإسلام بالعنف. وبما أنّ الإسلام ينتشر في العالم، والتكفيريّون بأعمالهم يحولون دون انتشار الإسلام؛ لذلك يجب أن نثبت أن التكفيريّين غرباء عن الإسلام؛ لأنّ الإسلام دين رحمة.

وقد اتّضح هذا الأمر للغربيّين، وقد قال البابا بصراحةٍ إنّ عمل هؤلاء ليس ذا علاقةٍ بحقيقة الإسلام، والإسلام دين رحمةٍ، وهؤلاء أقلّيّةٌ جاهلةٌ مجرمةٌ. وكذلك الآخرون إذ فهموا هذا الأمر، ففي مؤتمر الشيشان اجتمع علماء المسلمين، وكان بينهم شيخ الأزهر، وقد قالوا للعالم بصراحةٍ إن التكفيريّين – وحتّى الوهّابيّين – ليسوا من المذاهب الإسلاميّة، وهذا ما أزعج الوهّابيّين، ومع ذلك تمّ تبيين هذا الأمر [بصراحةٍ]، فالتكفيريّون انفصلوا عن الإسلام.

آمل أن يأخذ هذا الموضوع مساحةً أكبر من خلال هذه البرامج، وأن يتمّ تنوير الناس أكثر، وأن تتظافر الجهود في الفعاليّات الثقافيّة والسياسيّة والعسكريّة لتقتلع جذور التكفيريّين ويخلص الإسلام والمسلمون والعالم أجمع من شرّهم إن شاء الله.

وفي النهاية أتقدّم بالشكر الجزيل لكم ولكلّ العاملين في هذا المؤتمر، ولن أنساكم في دعائي أبدًا.

وَاَلسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ

 

ثمّ [تكلّم] الشيخ شريف الدين جامي الأحمدي إمام جمعة أهل السنّة والجماعة في منطقة تربة جام الّتي وصفها في حديثه بمركز العرفان والأدب والوحدة العمليّة، وقد عبّر الشيخ عن رضاه في إقامة هذا المؤتمر في هذه المنطقة، وشكر القائمين عليه.

وقد أكّد إمام الجمعة أنّ "مسألة التكفير ليس لها أيّ أصلٍ في الإسلام، وإنّنا نعتقد أنّه لا يجري حكم التكفير على أيّ مسلمٍ يظهر الشهادتين ويقبل بهما، بل إنّ في الأحاديث الواردة أحكامًا شديدةً بحقّ التكفيريّين".

وأضاف قائلًا: إنّ أبا حنيفة وعلماء أهل السنّة والجماعة قد أصدروا أحكامًا شديدةً بحقّ التكفيريّين، وإنّ أصل هذه التيّارات وسبب ظهورها هو الاختلاف الموجود بين زعماء الدول الإسلاميّة أوّلًا، والسبب الآخر هو وجود التمييز بين أبناء الشعب [الواحد]، وهذا أمر يدفع [البعض] إلى الاعتراض [بالانتماء إلى هذه الحركات]. لا يوجد في الإسلام أيّ مشروعيّةٍ للعمليّات الانتحاريّة، ولا إلى عمليّات الاغتيال.

وقد أكّد الشيخ جامي الأحمدي على "وجوب محاربة هذه التيارات وذلك بالحوار معها ليفهم أعضاؤها انحرافهم، ويهتدوا إلى الصراط القويم".

وأضاف إمام جمعة أهل السنّة والجماعة في تربة جام قائلًا: "إنّ الجماعات التكفيريّة صناعةٌ للغرب وإسرائيل، وإنّ طريق محاربة هذا الفكر هو الحوار والمنطق؛ لينجو تابعوه من طريقه المهلك.

وقد اختتم كلامه قائلًا: "آمل أن تدوم الوحدة في إيران الإسلاميّة، وخصوصًا في منطقة تربة جام، [وتبقى قائمةً] في ظلّ قائد الثورة.

ثمّ تكلّم الشيخ طاهري إمام جمعة الشيعة في تربة جام وقال: يسعى أعداؤنا اليوم إلى إيجاد التفرقة والاختلاف، وقد أعلنت إسرائيل أنّها تسعى لإقامة دولتها من النيل إلى الفرات، ومن ثمّ لاستعمار كلّ دول العالم، ولكنّنا نرى اليوم أنّهم عجزوا عن تحقيق هدفهم، بل صاروا يبحثون عن كلّ وسيلةٍ تحفظ لهم حياتهم.

وأضاف الشيخ قائلًا: إنّ الاستكبار العالميّ تلقّى ضربةً محكمةً من الجمهوريّة الإسلاميّة، وهو يحمل في صدره الآن حقدًا كبيرًا على الجمهوريّة، وأخذ يفرّغ حقده عن طريق دعم هذه التيّارات التكفيريّة، وإنّ داعش الّتي تصول وتجول في العراق وسوريّا أعدّت [بالأصل] لإيران.

ثمّ قال: لا ينبغي أبدًا أن تعترينا ذّرةٌ من الشكّ في خبث الغربيّين، فنرى إعلامهم يتكلّم عن أصغر المسائل في حقوق الإنسان، بينما اختارت كلّ مؤسّساتهم الحقوقيّة السكوت على مقتل مئات الأطفال في اليمن.

وأكّد الشيخ طاهري في حديثه على أنّ رؤية الشيعة لقضيّة الوحدة بينهم وبين أهل السنّة والجماعة رؤيةٌ اعتقاديّةٌ، وقد ردّ الرأي الّذي يزعم بأنّ الوحدة بين الطرفين سياسيّةٌ، وأشار إلى ما ذكره علماء الشيعة في هذا الصدد، إذ يقولون: "إنّ أهل السنّة أنفسنا [وليس إخواننا]".

وعدّ الشيخ طاهري التعريف بالوجه الخبيث للاستكبار أهمّ وظائف الجهاز الدينيّ الشيعيّ والسنّيّ [على حدٍّ سواءٍ]، وقال: توجد أدلّةٌ عديدةٌ على تنسيق آل سعودٍ مع اليهود، فمثلًا نرى أنّ الأفراد الّذين لا يعتقدون بالوحدة الإسلاميّة يتمتّعون بحرّيّةٍ كاملةٍ في الحركة في الدول المجاورة، بل يمنحون التراخيص لفتح المدارس الدينيّة، بينما لا يتمتّع الأفراد الّذين يؤمنون بالتقريب والوحدة بهذه الحرّيّة، ونرى أنّ السعوديّة تقوم بتوزيع الرسائل الفقهيّة لهؤلاء الأفراد المؤمنين بالتفرقة، بينما لا يسمح بتوزيع رسالة الشيخ ناصر مكارم وهو داعم الوحدة وحاميها.

وفي نهاية كلمته روى الشيخ طاهري ذكرى له عندما كان أسيرا لدى إحدى الجماعات التكفيريّة، وذكر أنّ الغربيّين يصرفون على كلّ مقطعٍ تبثّه هذه الجماعات لقطع الرؤوس ملايين الدولارات، وأنّ هدف الغربيّين من دعم هذه التيّارات التكفيريّة هو إيجاد الاختلاف بين الشيعة والسنّة وتدمير المسلمين وإيجاد الخوف من الإسلام في العالم الغربيّ.

وقد تكلّم بعده الشيخ الدكتور أحمد مبلّغي رئيس جامعة المذاهب الإسلاميّة، وقال: إنّ كلمة المرجع الشيخ ناصر مكارم [الشيرازي] الموجّهة لهذا المؤتمر جديرةٌ بتطبيق [ما ورد فيها]، وسوف أشير إلى طرق محاربة التكفير وتيّاراته الّتي عصفت بجسد الأمّة، مستلهمًا ذلك من بيان الشيخ المرجع لمؤتمرنا هذا.

وقد قسّم رئيس جامعة المذاهب الإسلاميّة الفعاليّات الّتي يجب القيام بها ضدّ هذه التيّارات التكفيريّة في عدّة محاور، وقال: إنّ المحور الأوّل للفعاليّات هو الفعاليّات المعرفيّة والفكريّة والتبليغيّة: وفي هذا المجال تندرج الجهود المبذولة على الصعد المختلفة، ومنها الفهم العميق لمعايير الإسلام ولكون الشخص مسلمًا. ومع أنّ هذه المعرفة أوردها الشيعة وأهل السنّة والجماعة في كتبهم، وإذا أردنا أن نستخرج هذا المحتوى من تلك الكتب لنضعها في كتابٍ جامعٍ، فسيكون هذا الكتاب كبيرًا للغاية، وهذا يكشف عن أنّ المعيار في تشخيص المسلم هو الإقرار بالشهادتين. وقد وردت في خصوص هذا المعنى رواياتٌ كثيرةٌ في كتب الفريقين، وقد نشرت أقوال الفقهاء في ذلك في عدّة كتب، وكلّهم أجمعوا على أنّ الدخول في الإسلام يتمّ على أساس الإقرار بالشهادتين، ولكن اللازم هنا أن نذكر أنّ بعض الحقائق الأصيلة المشتركة بين الشيعة وأهل السنّة والجماعة تظلّلها أحيانًا غيومٌ سودٌ يصنعها أناسٌ مرضى وجهلةٍ، ولو لمدّة من الزمن؛ لذلك يتوجّب علينا اليوم أن نوعّي شبابنا من الشيعة والسنّة [ونطلعهم على] معيار كون الشخص مسلمًا، وهذه التوعية تفوق ما نشر في الكتب وتناقلته الألسن، وهذا هو أساس الإسلام.

وقد أكّد الدكتور قائلًا: لا ينبغي التقصير في عرض هذا الموضوع، ومع أنّ تركيزنا عليه شديدٌ، بيد أنّي لا أزال أراه ضعيفًا؛ إذ إنّ هويّة الإسلام والمسلم تدور على هذا المعيار [وحجم التركيز يجب أن يلائم حجم الموضوع]؛ لذلك أرى لزامًا ضرورة تكراره وإفهام الناس أنّ الإسلام يرى أنّ [الدخول فيه] يبدأ من الشهادتين، ويرى أنّ استمرار كون الشخص في الإسلام على أساس الإقرار بالشهادتين كافٍ، ولقد سمعتم الآية الشريفة الّتي كلّما سمعنا تلاوتها توضّح لنا هذا الأصل القرآنيّ، وزاد إنكارنا لما يعتقد به التكفيريّون؛ إذ يجب أن نعامل من أظهر الإسلام معاملة المسلم.

والمحور الثاني هو محورٌ فكريٌّ يتعلّق بمعرفة الأمّة: وهو حقيقةٌ قرآنيّةٌ يجب معرفتها، ويجب أن نعرف أنّ الإسلام ركّز بشكلٍ أساسيٍّ جادٍّ على الأمّة الإسلاميّة. إنّنا اليوم نشهد ضعفًا في معرفتنا للأمّة، وغالبًا ما نركّز على الطائفة، والحال أنّ الطوائف مجاميع جزئيّةٌ ضمن الأمّة، فالأمّة أوّلًا ثمّ الطوائف. والنبيّ 9 أنشأ الأمّة أوّلًا ثمّ ذهب لمعالجة قضايا الطوائف. إنّ منطق الإسلام في مسألة الأمّة منطقٌ واضحٌ، ولكن لا يعمل به أسفًا.

وقد أردف الدكتور مبلّغي قائلًا: إنّ السيّد قائد الثورة قد ركّز في السنوات الأخيرة على موضوع (الأمّة)، وهذا التركيز بحدّ ذاته استراتيجيّةٌ [ناجعةٌ]. إنّ الإسلام يركّز كثيرًا على الجمع والاجتماع، وقد تكلّم عن ملّة إبراهيم، والإسلام جزءٌ من ملّة إبراهيم، ولكن أضحت هذه المسألة أسفًا قليلة القيمة – والعياذ بالله – مع أنّ القرآن وجّهنا إلى تشكيل الأمّة الإسلاميّة، وإذا حصل أيّ اختلافٍ فالقرآن أوضح لنا الحلول، ويجب أن تتحوّل الاختلاف إلى فرصٍ تجعلنا إلى المشتركات. والمشتركات بيننا كثيرةٌ، ويمكن حلّ موارد الاختلاف بإرجاعها إلى المشتركات. إنّ آليّة إيجاد الأمّة الإسلاميّة هي "فاستبقوا الخيرات"، وإذا عرفنا الأمّة، وقرأنا عنها فسنستطيع تحقيق أكبر قدرٍ من الفائدة.

وأضاف الدكتور: إنّ مقارعة الاستكبار هي المحور الثالث الّذي يجب أن نعرفه أيضًا، فالاستكبار اليوم تحالف مع التكفيريّين مستعينًا بكلّ قدراته ووسائله الإعلاميّة ومؤامراته، وأضحى التكفيريّون أداةً [لهؤلاء المستكبرين]، فيجب أن نفهم هذه العلاقة ونُفْهِمَهَا للآخرين، فالمستكبرون والتكفيريّون يتحرّكون في مسيرٍ واحدٍ.

وأمّا المحور الرابع فيتمثّل بالعمل الفكريّ، من خلال التوعية بخطر التكفير الّذي تقول عنه المرجعيّة إنّه يهدّد المجتمع الإسلاميّ. إذ يقوم التكفيريون بزعزعة الأمن، وعدم الشعور بالأمن [عند الفرد أو المجتمع] سببٌ لكلّ نفورٍ من الشريعة والدين، وقد زعزع التكفيريّون الأمن في الدول الإسلاميّة، وقد صان الله إيران وجعلها بمنأًى عن ذلك [والحمد لله]. وإذا عمّت حالة اللا أمن هذه فإنّ الأمّة الإسلاميّة وكلّ ما تملك سيتحوّل إلى ركامٍ. إنّ النبيّ 9 أراد أن يوجد الوحدة، والتكفيريّون يوجدون التنفّر، وقد أراد النبيّ 9 أن يرفع شأن الدين، والتكفيريّون لا يريدون ذلك.

والمرحلة التالية هي مرحلة العمل الثقافيّ، وهي مهمّةٌ للغاية، فقضيّة الإعلام وتشكيل وسائل الإعلام المختلفة وجعلها في خدمة الأمّة الإسلاميّة أمرٌ في غاية الأهمّيّة. يجب أن نفكّر في قضيّة الإعلام، فوسائل الإعلام اليوم يمكن النفوذ من خلالها إلى الطبقة الأساسيّة لأيّ ثقافةٍ، وبالنسبة لنا فإنّ التكفير خطٌّ أحمر من الناحية الثقافيّة، بيد أنّنا نرى اليوم أنّ كلّ من غضب من شخصٍ فإنّه يبادر إلى تكفير ذلك الشخص، فيجب أن نعدّ التكفير خطًّا أحمر في كلّ مستويات الأمّة الإسلاميّة ومحاورها.

وفي نهاية المؤتمر خاطب الدكتور حكيم إلهي رئيس اللجنة المنظّمة للمؤتمر العالميّ لمحاربة التيّارات المتطرّفة والتكفيريّة المشاركين في هذا المؤتمر قائلًا:

إنّ الاختلافات السياسيّة – كما تعرفون – كانت موجودةً منذ القرون الأولى للإسلام، بيد أنّها لم تصل إلى هذا المستوى الحطيط من الحرب القذرة الّتي لم يحصل لها مثيلٌ في تاريخنا الإسلاميّ وتجاربنا التاريخيّة؛ فلم يحصل وأن مزّق الجسد الإسلاميّ والمجتمعات الإسلاميّة كما هو حادثٌ الآن. إنّ هذه الحروب والصراعات الموجودة قد خرجت عن كونها صراعاتٍ تغذّيها أفكارٌ ونظريّاتٌ معيّنةٌ، وإذا نظرنا إليها نظرةً عميقةً فسنرى أن هذا سفك الدماء هذا أكبر من أن تكون وراءه مسائل نظريّةٌ وطائفيّةٌ، بل ثمّة أيدي خفيّةً تسوق هذه التيّارات التكفيريّة للوصول إلى أهدافٍ خطّط لها مسبقًا، وبعبارةٍ أخرى إنّ مسيّري هذه الجماعات يستخدمون التكفير لتنفيذ أجندتهم وإعمال استراتيجيّاتهم.

وقد أضاف الدكتور حكيم إلهي قائلًا: لإدراك حقيقة مشكلة ظهور الجماعات التكفيريّة فيجب أن نبحث في المسائل النظريّة في الإسلام، فقد بدأت المعارك الفكريّة والمعرفيّة منذ أوائل العصر العبّاسيّ مع اتّساع رقعة العالم الإسلاميّ وانفتاحه على الخارج، فقد كان البعض يشتغل بالمتون الفلسفيّة والكلاميّة للملل والأديان الأخرى، وكان آخرون يعملون في مجال البحث والتحقيق [في تلك المتون]، بيد أنّ هذا كلّه كان ينحصر في نطاق الحوار الفرديّ، مع [الإقرار] بوجود عوامل سياسيّةٍ أدّت إلى استخدام هذه المعارك الفكريّة لإدانة طائفةٍ ما وإعلاء شأن أخرى، ومنذ ذلك الوقت نشبت عدّة صراعاتٍ بين المجتمعات الإسلاميّة وأتباع المذاهب الفكريّة المختلفة، ولكن لم يصل الأمر إلى جرائم كالّتي تحصل الآن. وثمّة سؤالٌ [يطرح نفسه بقوّةٍ هنا] ولا بدّ له من إجابةٍ: من أين بدأت هذه الفاجعة؟ وأين كان مهدها؟ وما هو مصدر هذه الجماعات التكفيريّة؟

وأردف الشيخ بالقول: "إنّنا نعرف أنّ القدرة [في معناها السياسيّ] كانت مبنيّةً على أساس التوسّع الجغرافيّ في هذا العالم، وقد استمرّت هذه النظرّية حتّى العقد السادس من القرن الماضي، وكانت كلّ دولةٍ تعدّ نفسها صاحبة قدرةٍ وقوّةٍ بمعزلٍ عن الدول الأخرى، فقد كانت فرنسا مثلًا تستعمر غرب أفريقيا؛ لتزيد من قدرتها وقوّتها المبنيّة على أساس التوسّع في بسط سيطرتها الجغرافيّة، مع أنّ بعض هذه المستعمرات كلّف فرنسا كثيرًا، بيد أنّ امتلاك المستعمرات كان من عوامل القوّة، فرأت فرنسا وجوب تأمين المستعمرات لنفسها.

وأمّا بريطانيا [فلم تختلف عن صاحبتها]، فقد كانت تلجأ إلى احتلال الدول واستعمارها، وأمّا أمريكا فهي دولةٌ مقتدرةٌ أيضًا، مع أنّها لم تكن تحسب في الظاهر في الدول العظمى، ولكنّها كانت مخادعةً وشيطانيّةً، وعلى أيّ حالٍ فالدول الكبرى كانت دولًا استعماريّةً، وكانت كلّ دولةٍ منها تمثّل قوّةً كبيرةً، ولكن نظام القوّة تغيّر منذ ثلاثة عقودٍ، وأخذ العالم يسير نحو قوًى كبرى معيّنةٍ، وسيحوي في العالم 5 قوًى مقتدرةٍ [فقط]، وهذه المسألة يؤكّدها التيّار الّذي يسير فيه العالم اليوم، والقوى الحاكمة فيه والمسيطرة عليه، وأقرّ بصحّتها كلّ المنظّرين في العالم، وبيّنتها الجامعات الّتي تبحث موضوع (الدراسات المستقبليّة).

وأوّل هذه القوى أمريكا، أو الغرب الّذي يتمحور حول أمريكا. والقوّة الثانية هي الشرق الّذي يتمحور حول الصين، والقوّة الثالثة هي روسيا. وأمّا القوّة الرابعة فهي ما يسمّى بالـ NGO، أي المؤسّسات غير الحكوميّة المؤثّرة، أو منظّماتٍ كالأمم المتّحدة واليونسيف واليونسكو وغير ذلك".

وفي آخر كلام الشيخ حكيم إلهي تطرّق إلى القوّة الخامسة في هذه العالم، وهو الإسلام، وقال:

"إنّ الإسلام سيظهر في العالم كقدرةٍ، وإنّ القوى الاستكباريّة والغربيّة ستسعى بكلّ ما أوتيت من قوّةٍ إلى الحيلولة دون ذلك، فالغرب يقوم - بنهجه الّذي يسير عليه - بتدمير كلّ ثروات الدول الإسلاميّة [الطبيعيّة والإنسانيّة]، ومثال ذلك سعيهم لاستهلاك جيوش مصر وسوريّا والعراق وتدميرها، ويقومون كذلك بتدمير الموارد البشريّة، فيجعلون الناس يقتل بعضهم بعضًا.

وإذا استطاعوا أن يخلوا العالم الإسلاميّ من الثروة والقدرة والموارد البشريّة والدوافع الإسلاميّة فلن يكون العالم الإسلاميّ قوّةً تستطيع مواجهتهم؛ لذلك فإنّ الأصل في تشكيل الجماعات التكفيريّة هو تدمير الإسلام من خلال الإسلام نفسه".

ولا يفوتنا هنا أن نذكّر بأنّ هذا المؤتمر يقع ضمن سلسلة الاجتماعات الداخليّة للأمانة العامّة لمؤتمر محاربة التيّارات المتطرّفة والتكفيريّة، وأقيم بالتعاون مع منظمّة الإعلام التابعة لمحافظة خراسان الرضويّة.

 

إرسال الرأی