الشيعة وأهل السنة
تاريخ النشر : 8/9/2017

هل الشيعة من أهل السنة والجماعة؟ وهل توقف الأزهر عن الفتوى بأنهم من الفرق الضالة؟

الجواب : أمانة الفتوى

الشيعة فِرَقٌ متعددة، ولكن مع تعدد فرقهم فإن أصولهم تنحصر في ثلاث: غلاة، وزيدية، وإمامية.
أما الشيعة الغلاة؛ فهم طوائف؛ والقاسم والجامع بينهم في مزاعمهم واعتقاداتهم هو كونها تتعارض مع أصل الدين وعقيدة التوحيد؛ فمنهم من يقول بأن الله تعالى حَلَّ في خمسة أشخاص: في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي عليٍّ، وفي الحسن، وفي الحسين، وفي فاطمة رضي الله عنهم، فهؤلاء آلهة عندهم، ومنهم من يقول بتناسخ الأرواح، ومنهم من يقول بإنكار القيامة، ومنهم من يقول بأن الأئمة ينسخون الشرائع، ومنهم من يقول باستحلال المحرمات ويتأول قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: 93]، إلى غير ذلك من الخرافات والضلالات. راجع: "الملل والنحل" للشهرستاني (1/ 173-190، ط. مؤسسة الحلبي)، و"اعتقادات فرق المسلمين والمشركين" للرازي، (ط. دار الكتب العلمية).
وأما الشيعة الزيدية، فينتسبون إلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وأكثرهم يرجع في الأصول إلى عقائد المعتزلة، وفي الفروع إلى مذهب أبي حنيفة إلا في مسائل، وهم بالإجمال أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة والجماعة.
وأما الشيعة الإمامية، فقد لقبوا بهذا اللقب لأنهم يرون الإمامة لعليٍّ وأولاده، ويعتقدون أنه لا بد للناس من إمام، وينتظرون إمامًا سيخرج في آخر الزمان.
وطائفة الإمامية تسمى أيضًا بالاثني عشرية؛ لأنهم يعتقدون إمامة الاثني عشر؛ وهم: أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب، والحسن بن علي، وأخيه الحسين، وزين العابدين علي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي، وهو الإمام الثاني عشر عندهم.
ويسمون أيضًا: الجعفرية؛ باعتبار أن مذهبهم في الفروع هو مذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام.
والطائفة الأولى التي هي طائفة الغلاة ليست على ملة المسلمين فضلًا أن تُنسَبَ لأهل السُّنَّة والجماعة، وأما الفرقتان الأخيرتان -الزيدية والجعفرية- فهما من أهل القبلة، ولكن لا يصح أن يقال إنهما من أهل السنة والجماعة.
أما كونهما من أهل القبلة؛ فلأن ضابط أهل القبلة منطبق عليهم، وهو المذكور فيما رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (1/ 496، ط. دار المعرفة): [فيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعار الدين أُجْرِيَت عليه أحكام أهله، ما لم يظهر منه خلاف ذلك] اهـ.
وأما كونهما ليسا من أهل السنة والجماعة؛ فلأنهما يعتقدان اعتقادات بدعية تخالف الكتاب والسنة وتباين ما كان عليه الصحابة والسلف الصالح في شأن المعتقد.
أما الزيدية فيقولون بخلق القرآن، وينفون رؤية الله تعالى في الآخرة، وينكرون الشفاعة، ويرون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار ما لم يتب توبة نصوحًا، والمتقدمون منهم يرون جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، فعليٌّ عندهم هو أفضل الصحابة مطلقًا، ومع ذلك يصححون إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين، ولكن شاع الرفض في متأخريهم؛ فلا يعترفون بإمامة الشيخين. راجع: "تاريخ المذاهب الإسلامية" للشيخ محمد أبي زهرة (ص50-54، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب).
وأما الإمامية الاثنا عشرية فيقولون: إن الله يجب عليه نصب الإمام، ويعتقدون في عصمة الأئمة، وأنهم في عصمتهم كعصمة الأنبياء، وأنه يجوز لهم تخصيص النصوص العامة وتقييد المطلقة وبيان المجملة، وينسب إليهم أيضًا القول بالبداء في حقِّ الله تعالى -أي: أنه يحكم بالشيء، ثم يتبين له ما لم يكن عَلِمَهُ فينتقض حكمه-، وينكرون رؤية الله تعالى يوم القيامة، ولهم خوض بالباطل في عدد من الصحابة الأطهار، ويقولون إن إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد ثبتت بالنص عليه بالذات من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولبعض أحبارهم كلام في وقوع التحريف في القرآن الكريم، إلى غير ذلك من المسائل في الأصول والفروع.
وقد أقر أئمة الشيعة ببعض هذه الأشياء؛ مثل القول بعصمة الأئمة، واعتذروا عن البعض الآخر بحمله على محملٍ آخر كقولهم في البداء: إنهم يعنون به المحو والإثبات، الذي في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]؛ فالله تعالى قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحة والمرض والسعادة والشقاء والمحن والمصائب والإيمان والكفر وسائر الأشياء، وكان كثير من السلف يدعون الله ويتضرعون إليه أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. وهذا هو ما يسميه أهل السنة: القضاء المُعَلَّق، وعليه يُحمَل ما رواه الترمذي عن سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ»، وهو بخلاف القضاء المبرم؛ فالأول لا استحالة في رفع ما علق رفعه منه على الدعاء، ولا في نزول ما علق نزوله منه على الدعاء، وهذه القسمة باعتبار اللوح المحفوظ، لا باعتبار علم الله تعالى. انظر: "حاشية البيجوري على جوهرة التوحيد" (ص254، ط. دار السلام).
وكذلك ينكرون القول بتحريف القرآن، ويزيفون قول من قال منهم به، ويجعلونه شاذًّا مردودًا؛ يقول الشيخ الصدوق (ت381هـ) منهم: [اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة] اهـ. نقلًا عن "الاعتقادات" للشيخ المفيد (ص84، 88).
أما كلامهم في الصحابة، فقد حاولوا تجميله والاعتذار عنه؛ بأنهم لا يقولون بعدالة جميع الصحابة ولا بكفر جميع الصحابة، بل الصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فالحجة في العدول، والترك للبغاة، والتوقف في مجهولي الحال. يراجع لما سبق: "تاريخ المذاهب الإسلامية" لأبي زهرة (ص54-64)، و"الوشيعة في نقد عقائد الشيعة" للشيخ موسى جار الله (ط. سهيل أكاديمي بلاهور)، و"مختصر التحفة الاثني عشرية" للألوسي (ط. المكتبة السلفية)، و"أضواء على عقائد الشيعة الإمامية وتاريخهم" للشيخ جعفر السبحاني (ط. معاونية شؤون التعليم والبحوث الإسلامية في الحج)، و"أجوبة مسائل جار الله" للشيخ عبد الحسين شرف الدين الموسوي، و"الاعتقادات" للشيخ المفيد، و"أصل الشيعة وأصولها" للشيخ كاشف الغطاء.
وخلاصة القول" أن الشيعة الإمامية إخواننا في الدين وهم من جملة المسلمين أهل القبلة، ولكن لا يصح ولا يجوز أن ينسبوا إلى أهل السنة والجماعة، بل هم من طوائف الضلال والابتداع، ولكن مع ذلك فإننا نقول: إن تعميم الأحكام على جميع الشيعة دون تفرقة أو تمييز بينهم بحسب درجتهم في التشيع، ودون تفريق بين علمائهم وعوامهم، ليس من العدل والإنصاف والعلم في شيء.
وكذلك نقول: إنه يلزمنا جميعًا كمسلمين -سنة وشيعة- أن نحرر مواطن الخلاف بيننا، حتى نقف على ما كان الخلاف فيه لفظيًّا فنتجاوزه، ونعرف ما كان الخلاف فيه تاريخيًّا فلا نقف عنده، فنتعاون معًا فيما اتفقنا عليه، ونعمل على التعايش البَنَّاء بيننا.
ونؤكد على أنه يجب ألَّا تكون هذه الخلافات بين الفريقين سببًا للحروب الطائفية وإراقة الدماء المعصومة بيقين من الجانبين، فالوحدة فرض ديني يجب على الأمة كلها امتثاله، مع التأكيد على عدم تذويب الحقائق الدينية أو تمييع القضايا المفصلية في الأصول والفروع بين كل طرف من المتنازِعَين، وكذلك التأكيد على أنه يجب المحافظة على خصوصية البلاد السُّنِّيَّة، وأن الدعوة إلى دخول التشيع فيها تحت اسم الحرية أو نحوها من الشعارات لا يجلب إلا الوبال والحروب الأهلية ذات النزعة الطائفية ويدمر الوحدة الوطنية، كما هو معلوم من الاطلاع على واقع الأمم والشعوب واستقراء التاريخ القديم والحديث.

إرسال الرأی