فتنه التکفیر و جذورها و اثرها فی المجتمع
تاريخ النشر : 7/23/2016

مقدمة

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، والصلاة والسلام على نبيّ الرحمة وإمام الهدى محمد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فقد ظهرت  في عصرنا هذا، ظاهرة التكفير وتبنَّتها جماعة احتكروا الإيمان لأنفسهم وسلبوه عن غيرهم، فقاموا بقتل الأنفس ونهب الأموال بحجّة أنّ غيرهم كفّار يجب قتالهم وسبي ذراريهم والإغارة على ممتلكاتهم وأموالهم!!

وممّا يؤسف له أنّ هؤلاء يدّعون أنّهم يحكمون باسم الإسلام وباسم نبيّ الرحمة الذي قال: «إنّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه، ولا يُنزع من شيء إلاّ شانه»([1])، فها هم يقتلون الابرياء والعُزّل من الناس أطفالاً وشيوخاً ونساءً ويقومون بجرائمهم وهم يكبّرون ويصلّون على النبي$ الذي يصفه سبحانه بقوله: )فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ  الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ(،([2]) ويدّعون رفع لواء الجهاد في سبيل نصرة الدين ومواجهة أعدائه، وهم يعيشون في الأرض فساداً، ويحرقون الحرث والنسل، ويدّمرون المنشآت الاقتصادية، بل يخرّبون كلّ شيء؟!

يقومون بهذه الجرائم الفظيعة التي يهتزّ لها عرش الرحمن باسم الدين، والأنكى من ذلك أنّهم لا يعيرون أهمية الضحايا الأبرياء ولا يقدّرون لها قيمة، وأصبح ذبح الإنسان الذي عرّفه سبحانه بقوله: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ(([3]) أهون عندهم من ذبح الطير أو قتل الهوام!!

إنّ القائمين بهذه الأعمال بين جاهل بقواعد الدين وأحكامه متحمّس في طريقه; أو عالم بالموضوع وحكمه لكنّه  ينفذ خطط الكافرين الذين يكنّون الحِقْد والعِداء لنبي الإسلام ورسالته منذ قرون، فتراهم في كلّ عصر يأتون بخطّة جديدة. والذي يتولى كبر هذا الأمر الفظيع هو قائد الوهابية المتشددة محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في القرن الثاني عشر الهجري مدّعياً الدفاع عن التوحيد فكفّر عامّة المسلمين إلاّ مَن تابعه في أفكاره.

وقد اعتبر ابن عبد الوهاب عامّة المسلمين كفّاراً ومشركين ومرتدّين كأهل الجاهلية الأُولى أو أضلّ منهم وقال: فإذا عرفت أنّ هذا الذي يُسمّيه المشركون في زماننا «الاعتقاد» هو الشرك الذي نزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله$ الناس عليه، فاعلم أنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا وذلك:

إنّ الأوّلين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلاّ في الرخاء، وأمّا في الشدّة فيخلصون لله الدعاء، فيدلّ عليه قوله سبحانه: )وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا(([4]) وبذلك تبيّن الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأوّلين.([5])

واستنتج من عبارته هذه أنّ مشركي أهل زمانه يدعون غير الله في الشدّة والرخاء، فكانوا أكثر شركاً.

وهذه العبارات تدلّ على أنّ جماهير المسلمين ـ عنده ـ مشركون شركاً أشدّ من شرك أبي جهل وأبي لهب!!

وأراد من الشرك الذي اتّهم به عامّة المسلمين عبر قرون ما يقومون به من زيارة قبور الأنبياء والأولياء الصالحين والتوسّل بهم مضافاً إلى إعمار قبورهم وأضرحتهم، فهذا هو الذي أسماه ابن عبد الوهاب بالشرك الأكبر، وبذلك صار المسلمون بعد رحيل رسول الله$ إلى عصر محمد بن عبد الوهاب مشركين وأضلّ من مشركي عصر الجاهلية.

هذا ما يذكره ابن غنّام معاصره ومؤرّخ حياته وحروبه مع المسلمين.

ولمحمد بن عبد الوهاب كلمة أُخرى قال: اتّبع هؤلاء سنن من قبلهم وسلكوا سبيلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حذو القذّة بالقذّة، وغلب الشرك على أكثر النفوس لغلبة الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنّة بدعة والبدعة سنّة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتدّ البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.([6])

والعجب أنّ الشيخ يزعم أنّه من أتباع أحمد بن تيمية!! وحاشا أن يكون ابن تيمية بهذا التشدّد فإنّه ذكر للتكفير شروطاً وموانع سيوافيك  بيانها في محلّها. نعم عبّر عمّا يسمّيه محمد بن عبد الوهاب شركاً بالبدعة.

إنّ التسرّع والغلو في التكفير يمزّق المجتمع المسلم، ويغذّي الفرقة والشحناء بين المسلمين بل ربّما يؤدّي إلى إهدار المسلمين دماء بعضهم بعضاً، وهذا على جانب النقيض من قوله سبحانه: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا(([7]).

إنّ أقلّ ضرر أُصيب به الإسلام هو أنّ بدعة التكفير على النحو الذي تبثّه الفضائيات صارت حائلاً بين الغربيّين وبين اعتناقهم الإسلام.

يا ليت هؤلاء يفهمون أو يعقلون ما عليه علماء الإسلام عامّة حيث قالوا: الخطأ في ترك تكفير ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم.([8])

إنّ الآثار السلبية المترتّبة على التكفير خطيرة جداً ويكفي في خطورته:

إنّه يزيل  عصمة النفس والنفيس، فالنفوس تُقتل والأعراض تهتك والأموال تُسلب.

إنّه ينشر الفوضى في المجتمع الإسلامي ويجعله شيعاً والذي يعدّه سبحانه من ألوان العذاب ويقول: )أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا(([9]).

ويا ليت هؤلاء يكتفون بالتكفير فإنّ خطره قليل، وهؤلاء هم اليهود والنصارى محكومون بالكفر ولكنّهم يعيشون في الأوساط الإسلامية بعيدين عن الخطر والقتل والنهب. غير أنّ هؤلاء يتّهمون مَن يقول لا إله إلاّ الله محمّداً رسول الله ويصلّي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان، بالشرك الذي نتيجته هو الحكم بهدر دمه، واستحلال نهب ماله وهتك حرمة نسائه وأولاده، ولذلك نرى أنّ القائلين بالتكفير بهذا المعنى يمارسون أبشع جرائم العصر الحديث ولا يستثنون أحداً، بل العدو الصهيوني الغاصب عندهم أكثر احتراماً من الشعوب الإسلامية بكافّة مذاهبها وطوائفها!!

ولأجل هذا قمنا بدراسة حقيقة الإيمان والكفر على ضوء الكتاب والسنّة حتى يقف الباحث الواعي على أنّ عمل هؤلاء المنحرفين يخالف حكم القرآن والسنّة.

 

[1]. نیشابوری، صحيح مسلم، ج8، ص22، كتاب البر والصلة والآداب.

[2]. آل عمران، آیة 159.

[3]. الإسراء، آیة 70.

[4]. الإسراء، آیة 67.

[5]. محمد بن عبدالوهاب، كشف الشبهات، ص33.

[6]. علماء نجد، الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج1، ص300 و 433.

[7].  آل عمران، آیة 103.

[8]. غزالی، الاقتصاد في الاعتقاد، ص135.

[9]. الأنعام:65.

إرسال الرأی