وظائف الأناشيد الجهادية: عامل جذب للفئات المستهدفة
مفهوم النشيد الإسلامي ارتبط بالإخوان المسلمين ومن بعدها التيارات الجهادية منذ السبعينيات وحصلت تطورات فيه بشكل كبير في مضامينه أو أساليبه أو تقنياته حتى أصبح من أدوات الدعاية والتأثير والاستقطاب ذات الفاعلية.
تاريخ النشر : 7/27/2019
إشارة : میدل ایست اونلاین ,

بقلم: صالح أبو طويلة


 مقدمة
تعد الأناشيد الجهادية إحدى السمات الثقافية والدعائية الهامة للتنظيمات الجهادية الحديثة، فمن خلالها تتمكن تلك التنظيمات من الترويج لأفكارها وإيديولوجيتها، كما تسهم في استقطاب وتجنيد الفئات المستهدفة، والأناشيد تؤدي وظائف عديدة ثقافية ونفسية واجتماعية وتنظيمية وسياسية، وهذا ما دفع التنظيمات الجهادية – وخصوصا تنظيم داعش- إلى التركيز على الأناشيد كأداة دعائية إيديولوجية وزيادة إنتاجها وترويجها على نطاقات واسعة؛ ومن هنا فإننا سنحاول الكشف عن الوظائف التي تؤديها الأناشيد الجهادية لدى تنظيمي القاعدة وداعش، ومستويات تأثيرها في المستهدفين، كما ستركز المقالة على الأناشيد الداعشية باعتبارها الأنموذج المتطور لمفهوم النشيد الجهادي.

لقد وجدت المنظمات الدينية باستمرار أن الموسيقى أداة مناسبة لتأكيد السيطرة على التجمعات ولإلهام حماسة العنف الديني، حتى في مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية وليس القتال فقط. في القرن العشرين استخدمت حركات التضامن الوطني الموسيقى لتأجيج المشاعر العامة والتلاعب بها، كما عملت الموسيقى وبإصرار على إقناع السكان بشرعية الأنظمة الفاشية أو الشيوعية(1).

ارتبط مفهوم النشيد الإسلامي بحركات الإسلام السياسي، خصوصا جماعة الإخوان المسلمين ومن بعدها التيارات الجهادية منذ سبعينيات القرن الماضي، وحصلت تطورات في النشيد لدى التنظيمات الجهادية بشكل كبير سواء في مضامينه أو أساليبه أو محسناته أو تقنياته، وأصبح من أدوات الدعاية والتأثير والاستقطاب ذات الفاعلية، كما انقسم لاحقا إلى صنفين: الأناشيد الدينية ذات المضامين المختلفة التي تتناول الوعظ والحث على الالتزام بتعاليم الدين، والأناشيد الجهادية التي تشكلت لها ملامح خاصة سواء بالشكل أو بالمضمون أو بالوظيفة، وهي التي ستتناولها هذه المقالة.

جاء تطور هذا المفهوم في سياق تطور "الفن عند الحركات الإسلامية". ينبع ذلك من ضراوة المعركة السياسية من جهة والتباين أو العداوة بين تياراتها المختلفة، والحضور الثانوي الهامشي للفن – بكل تعريفاته وتجلياته- في التركيبة النفسية والاجتماعية للتيارات الإسلامية المختلفة، مع ظهور انشقاق التيارات الجهادية كانت الحاجة إلى منتج فني يعبر عن الأيديولوجيا الأكثر جذرية، لذلك كان منتجهم أكثر أصالة حقيقة، بكلمات معظمها من التراث الشعري القديم، بلا دفوف أو آلات مصاحبة(2).

إن حركات الإسلام السياسي، سواء كانت إصلاحية أو راديكالية أو سلفية متعصبة أو علمية، أو حركات صوفية، عملت على إعادة إنتاج المواقف نفسها من الفن ومن الموسيقى ومن الأغنية- لكن تحت ضغط المجتمع والتحولات العالمية في شتى الحقول بما فيها الديني، ولأن الفن هو أحد المكونات الأصيلة في النفس البشرية- ستضطر هذه الحركات إلى تبني شكل جديد من الفن وتحديدًا الموسيقى، تحت اسم "النشيد الإسلامي"، الذي بدأ باستلهام الترانيم الدينية النضالية التي تتغنى بالشهادة وبالجنة وبالجهاد وبالتضحية وبالمعاناة، أو ما يمكن تسميته بـ"أدب المحن"(3).

لقد دار نقاش طويل حول مسائل الأناشيد والموسيقى منذ أن بدأ الصراع ما بين الإخوان المسلمين والأنظمة السياسية في مصر وسوريا، سمح هذا النقاش بتجاوز مسألة التحريم، والتساهل في استخدام النشيد الديني يرافقه بعض الآلات الخفيفة، واستمر هذا النقاش مع بروز التنظيمات الجهادية الحديثة والتي تناولت المسألة بطريقة براغماتية؛ وظفت من خلالها الأناشيد وطورتها لتخدم أهدافها السياسية والدينية.

مُقتضى تلك البراغماتية إزاء النشيد الديني، يتأتّى من وضعية الصراع الذي تجد "الجهادية" به نفسها في مواجهة المؤسسات من "قوى الشر"، ابتداءً بالنظام الحاكم وانتهاءً بالنظام العالمي؛ الأمر الذي استدعى منها الأخذ بكل أسباب القوة المتاحة(4). والتنظيم البراجماتي الذي يستخدم آليات واختراعات غربية لتحقيق أهدافه؛ يذكّرنا بأن الغاية تُبرر الوسيلة، حتى وإن كانت تلك الوسيلة لا تتسق مع مبادئه، فمن المهم جدًا تحليل القوى الناعمة - بما فيها الأناشيد - للفواعل السياسية؛ فهي تساعدنا على فهم كيف تتحرك تلك الفواعل، وما الأفكار التي تهدف إلى نشرها في المجتمعات المُختلفة(5).

النشيد الحركي
منذ ذلك الحين صار نشيد "الإسلام الحركي" ينفكّ شيئاً فشيئاً عن سابقه، متجهاً إلى الأغنية القصيرة، ومساوماً على جودة الأداء ومن ثمّ اللحن، ومركّزاً على مضمون كلامي غاضب حزين، من ندب أحوال المسلمين، ووصف عذابات السجون، والدعوة لثورة محفوفة بالموت الشجاع والتضحيات الجسام على "الجاهليّة الجديدة"، وعلى هذا كانت الموجة الأولى من الأناشيد الإسلامية المعاصرة، قبل أن تهبّ الموجة الثانية مع مرحلة أكثر قمعاً ودموية وردّات فعل، وتنظيمات مقاتلة أكثر تشدّداً وعنفاً، مثل القاعدة وتنظيم داعش، حيث حافظ النشيد على تدهور مستواه الفنّي، فيما تبدّدت الرومانسية السوداء وتمدّد محلّها العنف والقتال وصليل الصوارم(6).

انطلاقا من ذلك التحليل، يمكن فهم حقيقة أن "القاعدة" لم يكن لها منتجها الفني الخاص بها، فهي - بنيويا- ليست جماعة أو طائفة، إنما هي ردة فعل على سياق أكبر، وأن كل الأناشيد التي خرجت في رثاء أسامة بن لادن، لم تخرج من منظمين قاعديًا، بل خرجت من متعاطفين مع رمزية التنظيم وأيقنة بن لادن نفسه.

إن اللون الموسيقى المسموح به في مختلف الجماعات الجهادية العالمية؛ يحدده طبيعة أهداف التوظيف الاستراتيجية والخلفيات الثقافية للأعضاء المستهدفين من التجنيد (7).

ولما ترسمت حدود داعش وصارت لها قوانينها وأعرافها، صار لها منتجها الفني، فالغزارة في الحصيلة الإنتاجية الداعشية تجاوزت كل التراث الإخواني والسلفي، لتقدم أناشيد جهادية وطريفة، عامية وفصحى؛ باختصار هي منتج الحياة اليومية للفصيل "المتدوّل"، ليتخطى مجرد الحماسة القتالية إلى الاحتفاء باسم الخليفة الأول، ولأن الدعوة –والطموح- الداعشي عالمي، فهناك أناشيد تمت ترجمتها إلى لغات أخرى(8).


أولا: مفهوم النشيد الجهادي
حول مفهوم النشيد الجهادي يشيرAwad,2017)) إلى أن النشيد هو الصورة الإسلامية لنمط (الأكابيلا) (Acapella)والنشيد إما أن يغنى على نمط (أكابيلا) (Acapella) أو بآلات إيقاعية، والنشيد هو ترانيم الحرب العنيفة لدى الإسلاميين(9)، والأكابيلا، وهي اللون الموسيقي الذي يستعين بالصوت البشري كبديل للآلات الموسيقية، وهي كشكل من أشكال الموسيقى الدينية تكتب للأصوات البشرية وحدها بدون استخدام آلات وتغنيها المجموعة، وهي تعتمد على الهارموني المدروس لا مجرد وجود أصوات متوافقة بالصدفة، واللافت أن استخدام الأكابيلا كان في المسيحية واليهودية والإسلام، وكلها لمناسبات أو لظروف دينية(10).
إذا كانت الأناشيد الدينية هي أشعار مغناة وملحنة بدون أدوات موسيقية؛ فإن الشعر مادتها الخام الذي يحمل مضامين الجماعة الدينية. فالغناء يشتمل على موسيقى الألحان، كما أن الشعر يشتمل على موسيقى الكلمات، وفي كليهما نجد تقطيع النغم بالزمن كميلودية أساسية. فإذا اجتمعت موسيقى اللحن مع موسيقى اللفظ كان للغناء وقعاً في النفس البشرية (11).
وانطلاقا مما سبق يمكننا صياغة تعريف إجرائي للنشيد الجهادي، بأنه نمط من الشعر المغنى بألحان وإيقاعات خاصة لا تستدعي الرقص أو تفاعل الجسد بقدر ما تستدعي الحماس والانفعال، وهو يخلو من الآلات الموسيقية الشرقية والغربية في غالبيته، مع اعتماده على المؤثرات الصوتية والتقنية، وهو يعكس إيديولوجيا التيارات الجهادية المتشددة ويحمل مضامينها القائمة على العنف والقتال والموت.
ثانيا: وظائف النشيد الجهادي

طرح الباحث في مجال التطرف الإسلامي - توماس هيغهامر (Thomas  Hegghammer)-  سؤالاً حادًا: "لماذا يقضي الإرهابيون المطاردون أوقاتهم في الشعر عندما يكونون قادرين على التدريب؟". هذا سؤال ذو صلة قوية، الجواب يكمن في صميم الديناميات الاجتماعية، وتقنيات التحفيز والتجنيد للجماعات الجهادية (12).

ويتساءل هيغهامر؛ الإرهابيّون رجال مُطاردون ولهم موارد محدودة؛ ويجب عليهم قضاء وقتهم في القيام بأشياء "نافعة" على غرار التدريب، وجمع الأموال، أو دراسة العدو، لكنهم رغم ذلك "يضيعون" وقتهم – بل الكثير منه- في أنشطة مثل إلقاء الشعر ومناقشة الأحلام، لذلك بدأت في الانتباه إلى تلك الأشياء، وكلما دققت النظر فيها أكثر، ازدادت وضوحاً(13).
وقد درج العديد من الباحثين على تناول مسألة الأناشيد الجهادية وحصرها في وظيفة الدعم العاطفي وتوليد الإثارة والحماس والترويج للتنظيمات الجهادية وجذب المجندين لها، وهذا وإن كان متوافرا وأساسيا؛ إلا أن ثمة وظائف أخرى تؤديها الأناشيد الجهادية بشكل أعمق، فهي كمنتجات ثقافية للمجموعات الجهادية؛ تؤدي وظائف عديدة وهامة؛ نفسية وثقافية وإيديولوجية ودعائية، فالأناشيد إحدى السمات البارزة لثقافة التنظيمات الجهادية وبالأخص تنظيمي القاعدة وداعش.

الوظيفة الثقافية
من المستحيل فهم الجماعات الجهادية - أهدافها، وجاذبيتها للمجندين الجدد، وقوتها - دون دراسة ثقافتها، تجد هذه الثقافة التعبير في عدد من الأشكال، بما في ذلك الأناشيد ومقاطع الفيديو الوثائقية والشعر(14). يسعى الجهاديون إلى تعزيز المنظومة الثقافية الجهادية، وتشكيل بناءاتها وترسيخ أنماطها وعناصرها، ورفد مخزونها، يدرك هؤلاء أهمية وجود نظام ثقافي يعبر عن الهوية الجهادية، ويمتن لحمة الجماعة، ويعزز مبادئها ويرسخ قيمها وإيديولوجيتها، والمنتج الثقافي الجهادي يشتغل كعامل جذب لدى الفئات المستهدفة، كما يسهم في تثبيت المجندين، وتعزيز حضور الفكرة الجهادية في ذهنية المقاتلين، وما ينبثق عنها من مفاهيم مثل؛ القتال و الشهادة والفوز بالجنة والحور العين وغير ذلك، وهي تقدم من خلال منتجاتها تصورا للعالم الدنيوي والأخروي، كما تدون تاريخ الجماعات الجهادية، وتسجل معاركها وتضحياتها وتسرد إنجازات أبطالها وشهدائها، كما ترسم ملامح الحياة الحالمة للجهاديين، وبذلك فإن الثقافة الجهادية يتم بناؤها مقابل الثقافات الأخرى المضادة وصولا لحالة من التمايز، والثقافة الجهادية ثقافة فرعية نشأت في سياق العولمة، ووظفت معطيات الحداثة في شقها الأداتي، وهي تتشكل بطريقة توليفية انتقائية من الثقافة السنية بنسختها المتشددة المتمثلة بالفكر السلفي الوهابي، كما أنها تمتزج بالتكنولوجيا وتحمل المضامين الإيديولوجية للجماعات الجهادية.
لا توجد هوية جهادية أصلية واضحة، بل تقليد متكرر باستمرار لفكرة الأصل، توحيد الهوية الجهادية يسهل بنائها ضد "الآخر" (15). ويلعب الأدب الجهادي عموما دورا بارزا في ترسيخ التيمة المركزية للمنظومة الجهادية، كما أن تمتين الهوية لا يكون إلا بالتمايز عن الآخر من خلال ممارسات ثقافية ترسم ملامح الجماعة وتحدد بناءاتها.

يشير بورديو (Pierre Bourdieu) إلى مفهوم رأس المال الثقافي الذي يمثل مورداً يمكن استغلاله سعياً وراء السلطة، ربما كانت هذه الرغبة في جمع رأس المال الثقافي هي الدافع وراء الاستخدام الواسع النطاق لأسامة بن لادن للشعر من التراث الكلاسيكي(16). وهذا يؤشر إلى أن الجهاديين يرغبون أيضا في إضفاء مشروعية على ممارساتهم العنيفة من خلال صياغة ثقافية ذات مصداقية. إن الثقافة الجهادية تشتغل على ملء الفراغ في حياة أعضائها، من خلال تكثيف الممارسات الثقافية كالأناشيد والشعر وتأويل الأحلام وقصص البطولة والكرامات وغير ذلك.
بحسب بورديو فإن رؤوس الأموال هي على نوعين كبيرين: رمزية كالمعتقدات والمنتوجات الثقافية والألقاب العلمية، ومادية كالأموال والموارد الطبيعية والسلع الاستهلاكية والمنتجات التقنية، والسلطات هي نوعان: مادية كما تتمثل في مؤسسات الدولة، ورمزية كما تتمثل في السلطات الثقافية من دينية وخلقية وأدبية (17).

ومن هنا فإن الأناشيد الجهادية بمكوناتها، وبمضامينها وببنيتها الموسيقية؛ تعد إحدى العناصر الهامة التي تروج للثقافة الجهادية، وترسخ مفاهيمها لدى المجندين والفئات الاجتماعية المستهدفة في المجتمعات العربية و الإسلامية والغربية، كما أنها تشتغل إلى جانب تعزيز الهوية الثقافية للجهاديين؛ فإنها تمارس أيضا تشكيل هوية سياسية تدعو إلى حيازة السلطة المركزية والتوسع الجغرافي "داعش نموذجا".
يلاحظ (بهنام سعيد) أن "موضوع النشيد هو أكثر من مجرد "استماع"؛ إنه أصل ثقافي مشترك يربط الناس في جميع أنحاء العالم، وبالتالي فهو أداة قيمة في خلق مجتمع جهادي عالمي (18).

لذا فإن داعش عمل على تصدير الأناشيد بلغات مختلفة للتأثير والاستقطاب، وتمكن من جذب مجندين من الدول الغربية من خلال عامل التأثير الموسيقي .والشعر كأحد عناصر النشيد؛ يتم استخدامه كجزء من معركة الهوية الثقافية، وهو أمر ضروري لحشد الدعم، سواء كان ذلك لحركة مقاومة (تنظيم القاعدة)، أو لمشروع بناء الدولة (داعش)، مثلما ساعد الأدب الإنجليزي في بناء هوية إمبريالية بريطانية صورت الأفارقة كهمج وجهلة، بحاجة إلى حماية و تعليم، فإن الأدب الجهادي؛ خاصة الشعر، يساعد في بناء هوية إسلامية نقية في مواجهة العدو "الآخر"، إلى جانب زرع فكرة الاستمرارية التاريخية والجغرافية(19).
ربما تكون الثقافة الجهادية كأداة لخلق هوية جهادية مشتركة وتعبئة مجندين جدد مهمة بقدر أهمية أيديولوجيتها، وقد أدلى (مارك ساجيمان) بالملاحظات التالية في كتابه "فهم شبكات الإرهاب": "الروابط الاجتماعية تلعب دوراً أكثر أهمية في ظهور الجهاد السلفي العالمي بدلاً من الأيديولوجية" (20).

تلعب الممارسات دوراً أكثر أهمية وتأثيراً في جذب الجماهير العربية الأساسية إلى الأيديولوجية الجهادية أكثر مما تم الاعتراف به، وبالتالي فإن إعادة الانتشار الانتقائي للتراث الشعري الكلاسيكي له أثر في إثارة الروابط الثقافية العميقة، وإثارة العواطف، وحسم الحجج، والتغلب على الفجوات في المنطق، والاحتفال بالموت، وتمجيد المعركة، وبناء هوية جهادية، وتبسيط الحقائق المعقدة، ومعالجة الذاكرة الجماعية - كل ذلك ضمن مساحة بعض الأبيات المختارة جيدًا، هذا أكثر فعالية من مختلف أنواع الرسائل والنصوص الخطابية التي يميل المحللون الغربيون إلى التركيز عليها (21).

في هذا الصدد، يبني الجهاديون ما يمكن أن يصفه الفيلسوف والمنظّر الأدبي جان فرانسوا ليوتارد Jean-François, Lyotard)) بـ "سردية كبرى" أو ""Metanarrative ؛ السردية الكبرى؛ هي قصة شاملة تتمثل وظيفتها في إضفاء الشرعية على السلطة عن طريق إقامة صلات بين الحلقات المتباينة، مع الإشارة إلى مخطط توضيحي عالمي. يرى (ليوتارد) أن السردية الكبرى في تراجع مع تقدم ما أسماه "حالة ما بعد الحداثة"، مما يشير إلى نظرة تقدمية تدرك التجارب المتنوعة والسياقات المحلية في مقابل سرد عالمي واحد ضخم." الدعاية الجهادية تمثل انعكاسًا لهذا الاتجاه التقدمي (المدرك) مع عودتها إلى السردية الكبرى المتشكلة عن طريق الانتقاء من التراث الشعري الكلاسيكي، والسردية الكبرى تؤدي وظيفة جمع كل الخبرة ضمن معركة شاملة ومروعة بين الخير والشر تنطوي على أبطال عظماء يواجهون مخاطر كبيرة ويقدمون تضحيات كبيرة (22). إن استخدام الأناشيد كصلة وصل مع المشهد الجهادي العالمي يساعد في إنشاء سرد مشترك كما يسهم في بناء العقل التاريخي الجمعي (23).

يفترض (هيغهامر) أنّ الثقافة الجهاديّة تخدم كمصدر للعلامات النفيسة على الجدارة بالثقة، هذه الفكرة مستلهمة من الأدبيّات حول الثقة والتأشير، حيث تواجه الأنشطة عالية المخاطر مشكلة ثقة حادّة عند التعامل مع منتدبين أو محاورين جدد، فقد يكون الشخص غير جدير بالثقة أو أسوأ، أي يكون عميلاً مُخترِقاً، وبما أنّ الجدارة بالثقة والأصالة خاصيّتان غير ظاهرتان، فإنّه يتوجّب على "الموثوقين" البحث عن علامات ظاهرة مرتبطة بتلك الخاصيّتين. ويمكن أن تكون "العلامة" هي الطريقة التي يبدو عليها الشخص أو سلوكه أو طريقة حديثه، أو غيرها. وبما أنّ المتحيّلين يحاكون على نحو فعّال تلك العلامات للظهور بمظهر الجدير بالثقة، فإنّ ممارسة قراءة العلامات – أو "التدقيق"- تغدو صعبة. ويقع في محور لعبة الثقة مفهوم كلفة العلامة، ذلك أن محاكاة بعض العلامات أيسر من محاكاة علامات أخرى، ويشتهر تقليد الكلام بكونه سهلاً، لذلك تتوقّع نظريّة التأشير أنّ الموثوقين سيبحثون عن علامات تكون محاكاتها عالية الكلفة لكنّها متيسّرة للجديرين عن حقّ بالثقة(24).
وفي حالة المجموعات الجهاديّة، يمكن أن يكون إظهار الاطلاع على الثقافة الجهاديّة – مثل حفظ الأناشيد الجهاديّة على نحو جيّد- علامة مكلفة لأنّ اكتسابها يتطلب وقتاً. وهكذا، يمكن أن يكون الإلمام بالثقافة الجهاديّة دليلاً على إمضاء وقت في السريّة. فمن وجهة نظر الموثوق، كلّما توسّع نطاق العلامات المحتملة، كلما كان ذلك أفضل، لأنّ المدونة الثقافيّة الجهاديّة ثريّة ومعقّدة إلى درجة تسمح لها بأن تكون مصدراً مفيداً لعلامات التدقيق. وتوجد بعض الأدلة على صحة هذه الفرضيّة، سواء تعلق الأمر بسياقات التجنيد في الواقع أو في العالم الافتراضيّ. وقد يساعد هذا أيضاً على تفسير تعسّر اختراق بعض المجموعات الجهاديّة على يد أجهزة المخابرات، إذ أنّه من الشاقّ تعلّم كلّ الفروقات الثقافيّة الدقيقة(25).
يقول (بيتر نانينجا)، الباحث في جامعة جرونينجن بهولندا: "لدى داعش العديد من خصائص الثقافة الشعبية الحديثة". الأناشيد مهمة جدا، تُظهر الثقافة الشعبية أن داعش هي حركة حديثة، وهي نتاج عصرنا. إنها توفر رؤية واضحة للعالم، وهوية قوية وشعورًا بأنك يمكن أن تكون مهمًا كجزء من حركة قوية تدافع - في نظرهم - عن شرف الإسلام والمسلمين ضد الاضطهاد والإذلال من جانب الغرب(26).

إذن يحتل المنتج الثقافي لدى التنظيمات الجهادية أهمية بالغة في العديد من الجوانب الاستراتيجية والدعائية والتنظيمية والإيديولوجية والهوياتية، وهو يتطور بتطور الجماعات الجهادية على الأرض، ويظهر ذلك من خلال تطور إنتاج وتوزيع الأناشيد الجهادية الصادرة عن المؤسسات الإعلامية لداعش، والمدعمة بالصور والمؤثرات الصوتية وتقنيات الإنتاج الحديث، وبلغات عالمية متعددة.

إن توريث الثقافة الجهادية وإدامتها في سياق الإبقاء على الثقافة الجهادية وتنميتها ومراكمتها وتوريثها للأجيال؛ ينبغي تدوينها وحفظها وأرشفتها، فالجماعات الجهادية التي تتعرض للانتكاسات والصدمات، أو يتعرض قادتها وأفرادها للموت والقتل؛ فإنها تفقد جزءا كبيرا من ثقافتها وتاريخها وتضحيات أبطالها، فلذا يقتضي الأمر بأن يتم الحفاظ على هذا الموروث وتسليمه للأجيال القادمة من خلال أدوات وأساليب سهلة الحفظ والنقل والتوارث – خصوصا في ظل آليات وتقنيات مكافحة الإرهاب على الفضاء الافتراضي والواقعي- مثل الأناشيد والأشعار، وكما قيل فإن الشعر ديوان العرب، فهو الذي يسجل إرثهم وثقافتهم وأساليب عيشهم وقيمهم وعواطفهم المشبوبة، ويدون مآثرهم وأيامهم وغزواتهم.

أداة في الصراع
ليس النشيد، مجرد ترفيه لدى الجهاديين، بل أداة أساسية في الصراع، تورث من جيل لآخر من المنخرطين في تلك الجماعات(27) . إن الكثير من الثقافة الجهادية على الإنترنت، بدلاً من أن تتجسد في الأشياء المادية، تزيد من صعوبة الحفاظ على استمرارية التقاليد، نتيجة لذلك، فإن الجهاديين مثلهم مثل العديد من مجتمعات الشتات الأخرى، مهووسون بتسجيل إنجازاتهم للأجيال القادمة، فالبنية التحتية لمحفوظاتهم على الإنترنت - مثل "منبر التوحيد والجهاد" لأبي محمد المقدسي، وهي مستودع للآراء والبيانات والشعر الديني - متطورة بشكل ملحوظ، قصائد المحاربين الذين سقطوا (بما في ذلك الانتحاريون)، هي وسيلة لإحياء ذكرى الأحداث الهامة، وإعطاء المقاتلين تقويمًا مشتركًا، بالنسبة للجهاديين؛ تمثل أعمال الشهادة اللبنات الأساسية للتاريخ المجتمعي(28).

لقد وفرت العديد من القصائد وظيفة وثائقية حيوية، يقول عالم الاجتماع الهنغاري (كارل مانهايم) أن هناك ثلاثة مستويات من المعنى في الفعل الثقافي: الهدف والتعبيرية والوثائقي؛ المعنى الموضوعي متأصل في الفعل نفسه (قصف أو كمين، على سبيل المثال)، المعنى التعبيري يتضمن النية وراء الفعل (هنا التعبير عن قوة الجهاديين وعزة الله)، المعنى الوثائقي يعتبره مانهايم؛ باعتباره الأهم لأنه يربط الفعل بسياقه الأوسع، وهنا يمكن أن يلعب الشعر دورًا حاسمًا، لأنه يوفر نسقًا موثوقًا به لتوثيق العناصر غير المرئية للأفعال الجهادية، وخاصة العمليات الانتحارية، والتي لا يمكن توثيقها بشكل موضوعي، سيساعد هذا النوع من الأفلام الوثائقية الأسطورية في تشجيع التدفق الثابت للمجندين (29).

توصلت سيسيلي فينسيس (Cecilie Finsnes) إلى أن 48 في المئة من جميع إنتاجات الأفلام الجهادية؛ تخدم مصلحة توثيق المعارك و الهجمات، هذا الانطباع صحيح تقريبًا للمنشدين الجهاديين. تتناول النصوص في هذه الفئة الصراع لاستعادة الكرامة المفقودة والحرية المفقودة. إنهم يخبرون أيضًا بطولات مقاتليهم الذين لا يخافون من شيء سوى الله (30).

يتضح لنا مما سبق أن المضامين المحمولة عبر الأناشيد والشعر والحداء الجهادي؛ والمشبعة بتفاصيل الحياة الحربية والمعارك، والرثاء والبكاء والتمجيد وتخليد الأبطال والقادة والشهداء، والهجاء، ونحوه؛ يشكل إرثا ثقافيا يوضح تفاصيل الممارسات اليومية والسلوكات والأنماط المعيشية لتلك الجماعات، وسجلا يؤرخ لتفاصيل نموها وتطورها وطرق تفكيرها وأهدافها.

ويشير بهنام سعيد إلى أن النشيد الجهادي عنصر هام في خلق "ثقافة الجهاد"، فهو يغطي موضوعات كثيرة، وينتشر على نطاق واسع، ويمكّن من حمل الثقافة الجهادية بسهولة ويسر، وهو مصدر إلها للشباب الذين يشكلون أساس الجهاد في كل زمان ومكان(31).
 

الهوامش:
    Jonathan, Pieslak.(2016). Radicalism & Music: An Introduction to the Music Cultures of al-Qa ida. Popmatters, See link: https://www.popmatters.com/radicalism-and-music-an-introduction-to-the-music-cultures-of-al-qaida-raci-2495440257.html
      موقع التحرير نيوز.(2016). الأناشيد الجهادية ورحلة البحث عن المعنى. مقالة منشورة على 3 أجزاء على موقع التحرير نيوز بتاريخ 5 أيار 2016، استرجعت بتاريخ 4 أيار 2019 من الرابط:http://www.tahrirnews.com/Story/418263/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-1/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7
    جرموني، رشيد (2018). الاقتصاد الموسيقي.. الأغنية الدينية أنموذجًا .. نحو إعادة تعريف التدين في المجتمعات العربية المعاصرة، مجلة الفيصل الالكترونية، مقالة منشورة بتاريخ 1 يوليو 2018، استرجعت بتاريخ 24 أيار 2019 من الرابط: https://www.alfaisalmag.com/?p=11145
    موره لي، علي.(2019). إضاءة على الموسيقى الداعشية. مقالة نشرت على موقع العربي نشرت بتاريخ 14 ابريل 2019، استرجعت بتاريخ 5 أيار 2019 من الرابط: https://www.alaraby.co.uk/entertainment/2019/4/14/%D8%A5%D8%B6%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4%D9%8A%D8%A9-1
      نادر، روبير.(2016). الأدب الداعشي: كيف يوظفه التنظيم، موقع إضاءات الالكتروني، مقالة نشرت بتاريخ 6 تموز 2016، استرجعت بتاريخ 19 أيار 2019 من الرابط:https://www.ida2at.com/aldaashi-literature-how-organizational-needs/
    صبيح، خالد (2017). التعبير المنغّم في الإسلام عرض تاريخي موجز، مجلة معازف، نشرت في 11 نيسان 2017، استرجعت بتاريخ 23 أيار 2019 من الرابط : https://ma3azef.com/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85
    Jonathan, Pieslak.(2016)، مرجع سابق
    جرموني،2018 ، مرجع سابق.
 Awad, Mokhtar.(2017). A CHallenging state Emerging Armed Groups in Egypt. Briefing Paper, SECURITY Assessment in North Africa.page 4. See link:http://www.smallarmssurvey.org/fileadmin/docs/T-Briefing-Papers/SAS-SANA-BP-Egypt-armed-groups.pdf
 موقع التحرير نيوز، مرجع سابق.
 ود الكبيدة، عبدالرحمن. (2013). علاقة الشعر بالغناء. مقالة نشرت على موقع عبد الرحمن ود الكبيدة بتاريخ 2013، استرجعت بتاريخ 20 أيار 2019 من الرابط :http://wadelkebeida.net/index.php/ar/art/43-alsherbealgena
 Kendall, Elisabeth(2016). Jihadist Propaganda and its Exploitation of the Arab Poetic Tradition. Page 223.see link: file:///D:/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF/Kendall-Jihadist_Propaganda___Arab_Poetic_Tradition_2016.pdf
 هيغهامر، توماس. (2018). لماذا يبكي الإرهابيّون: الممارسات الاجتماعيّة الثقافيّة للمقاتلين الجهاديّين. مقالة علمية نشرت على موقع جسور للدراسات بتاريخ 22 كانون الثاني 2018، استرجعت بتاريخ 24 نيسان 2019 من الرابط:http://jusoor.co/content_images/users/1/contents/611.pdf
 Creswell,Robyn,& HaykelJune, Bernard.(2015). Want to understand the jihadis? Read their poetry. See link:https://www.newyorker.com/magazine/2015/06/08/battle-lines-jihad-creswell-and-haykel
 Kendall, Elisabeth.(2015).Yemen’s al-Qa ida and Poetry as a Weapon of Jihad. See the link:https://oxford.academia.edu/ElisabethKendall. Page
 Kendall,(2016): page 238 مرجع سابق
 عماد، عبد الغني (2006). سوسيولوجيا الثقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 2006. ص 101
 Seymat,Thomas.(2014). How nasheeds became the soundtrack of jihad. http://www.euronews.com.
See link: https://www.euronews.com/2014/10/08/nasheeds-the-soundtrack-of-jihad
 Kendall,(2016): page 226 مرجع سابق
 Behnam, Said.(2012). Hymns (Nasheeds): A Contribution to the Study of the Jihadist Culture. Department for Languages and Cultures of the Near East, Friedrich-Schiller University of Jena, Jena, Germany, Ministry of the Interior, Hamburg, Germany. Page 2. See link: file:///D:/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF/Behnam_Said_Studies_in_Conflict_and_Terrorism.pdf .
 Kendall. (2016), page 240 مرجع سابق
 Kendall.(2016). page 227 مرجع سابق
 Benham(2012) , page 15 مرجع سابق
 هيغهامر، توماس. (2018)، ص 11-12
 هيغهامر، توماس.(2018)، ص 11-12
 Øyvind Strømmen,.(2015). The IS media jihad. Hatespeech International Inwestigating Extremism, See link: https://www.hate-speech.org/the-is-media-jihad/
الهوامش:-
 Benham,(2012). page 10
 بي بي سي.(2014). كيف تستخدم الجماعات المسلحة الأناشيد لتحفيز أعضائها؟. تقرير أعده مراد الشيشاني، نشر على BBC بتاريخ 12 كانون أول، استرجع بتاريخ 24 نيسان 2019 من الرابط :http://www.bbc.com/arabic/artandculture/2014/12/141211_jihadi_hymns
 Creswell,Robyn,& HaykelJune, Bernard.,2015)) مرجع سابق
 Kandell,(2015). page 256 مرجع سابق
Benham,(2012). page 2
كاتب وصحافي أردني

الكلمات الرئيسية:
المراجعات الفكرية: هل تكون أمل المعتقلين في السجون المصرية؟
أزمة كورونا.. سجون مصر برميل بارود قابل للانفجار
بعد سيطرة التطرف.. أئمة الصومال المعتدلون في مهمة استعادة المنابر
إرسال الرأی